.
رسائل إلى كاتب مبتدئ
*جريدة الخليج
حسن مدن:
في بعض سنوات عشرينات القرن الماضي، قصد الكاتب مكسيم جوركي، إيطاليا، لتلقي شيء من الراحة والعلاج، كما أنه شاء البعد عن وطنه، روسيا، لخلافات بينه وبين قادة السلطة في بلاده حول طريقة تعاملها مع المثقفين، لكنه ما لبث أن عاد إلى وطنه، لينخرط مجدداً في حياته الثقافية.
في إيطاليا لم ينقطع تواصل جوركي مع نظرائه من الأدباء في وطنه، فاستمر في مراسلاتهم، شارحاً لهم ظروف عيشه في مهجره، ومتلقياً منهم أخبارهم وأحوال الوطن الذي نأى عنه.
المدهش أن هذه المراسلات لم تكن مع كبار الكتاب الروس من مجايليه الذين تجمعه بهم علاقات الصداقة والأدب، وإنما أيضاً مع كتاب شباب بالكاد يضعون أولى خطواتهم في دنيا الأدب، ومن هؤلاء كاتب شاب اسمه فزيفولود إيفانوف، سيغدو لاحقاً من الأسماء المعروفة في أدب الحقبة السوفييتية.
لاحقاً كتب إيفانوف كتاباً أسماه: «مقابلات مع مكسيم جوركي»، وسمى كتابه بهذا الاسم، على الرغم من أنه لا يتضمن مقابلات أو حوارات مع جوركي، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما هو عبارة عن ذكريات جمعت بينهما، وانطباعاته عن شخصية جوركي وميوله ومتاعبه.
لا أعرف ما إذا كان الكتاب متوفراً باللغة العربية في ترجمات حديثة له من الروسية نفسها، ولكن هناك ترجمة عربية له عن الفرنسية، وضعها جلال فاروق الشريف، وصدرت في دمشق عام 1952، وحوى الكتاب، فيما حوى، رسائل أو فقرات من رسائل، أرسلها جوركي إليه عندما كان في إيطاليا.
رسالة أو كثر من بين هذه الرسائل يصحّ أن نطلق عليها وصف «رسائل إلى أديب مبتدئ»، كتبها كاتب مخضرم وقدير، بوزن جوركي، ويمكن أن نعرض لعدد من هذه الفقرات التي فيها قال جوركي مخاطباً إيفانوف: «أنت رجل موهوب، لكن ألا يجدر بك أن تولي نفسك مزيداً من الانتباه؟. إن الكتابة ليست فقط عملاً لذيذاً يستسلم إليه الكاتب؛ لأنه يؤثره. إنها أيضاً مسؤولية. أنت تكتب بشيء من السرعة، وأحياناً بشيء من الإهمال، وفي هذا محذور هو أن يتحول ذلك إلى عادة عندك». وفي مكان آخر نصح جوركي إيفانوف، بإلحاح، أن «يكف عن كتابة المؤلفات الطويلة، فهي تتطلب موهبة لديها الاستعداد للبناء المنهجي».
وفي المجمل حرص جوركي، وهو يُبدي نصائحه، أن ينأى بنفسه عن «الأستاذية»، فقال مخاطباً الكاتب الشاب: «إنني هنا أعبر عن الانطباع الذي يساورني كقارئ وكرجل يحب الأدب».
هذه ليست سوى ومضات سريعة من رسائل جديرة فعلاً بالوقوف عندها بكثير من التأني.