.
هل تتجول الكلمات؟
*جريدة الخليج
حسن مدن:
تعليقات وصلتني على مقالي قبل أيام: «ذاكرة الساعة»، أشارت إلى أن هواتفنا النقالة، لا ساعاتنا، هي التي أضحت وسيلتنا للتعرف إلى الوقت، فلكي نعرف في أي ساعة نحن، لم نعد ننظر إلى ساعاتنا، كما اعتدنا قبل ذلك، وإنما إلى هواتفنا النقالة، ولو أن مي زيادة عاشت في أيامنا هذه، ما كانت ستكتب ما كتبته في مناجاة ساعتها: «وفي الصباح كنتِ أول من أشاهدها، وأول روح أستجوبها».
حكاية معبرة أوردها الكاتب الشهير إدواردو جاليانو عن أب سويسري أهدى طفلته، في عيد ميلادها، ساعة. ولم يكن اختيار جاليانو لجنسية الأب عبثاً، فسويسرا كما نعلم هي بلد الساعات. احتفاء البنت بالساعة كان غير مألوف، فهي لم تضعها في معصمها كإكسسوار جميل باعث على بهجة طفلة صغيرة، تُهدى ساعتها الأولى، وإنما قامت بتفكيك الساعة على فراشها، وراحت تلعب بالعقارب، بالنابض والكريستال والمفتاح، وحين شاهد الوالد ما فعلته ابنته انتابه غضب شديد، فعنّفها بشدة.
في خلاصة بالغة النباهة والذكاء لهذه الحكاية، انتهى جاليانو إلى التالي: «في ذلك اليوم، علمت نيكول، وهذا هو اسم الطفلة، أنها ستعاقب في جميع السنوات القادمة؛ لأنها بدلاً من أن تسأل ساعات العالم ما هو الوقت، ستسألها كيف تبدو من الداخل».
لكم أن تؤولوا هذه الخلاصة، كما تشاؤون؛ لأنها قابلة لتأويلات مختلفة، أهي دعوة فلسفية للتأمل في الزمن، فالعبرة ليس في أي ساعة أو يوم نحن الآن، أو كنا أمس، أو سنصبح في الغد، وإنما في ماهية الزمن الذي قسّمناه نحن إلى ساعات وأيام وأسابيع وشهور وسنوات، وما هو أكثر، وتلك ليست أكثر من وحدات قياس اخترعها الإنسان لينظم وقته، أما الزمن نفسه فلا شأن له بتقسيماتنا هذه له إلى وحدات، ولو قدّر له أن يحكي لسخر منها.
هل كانت الطفلة، وهي تفكك الساعة المهداة لها، تبحث، بمنتهى العفوية، عما هو داخل الزمن؛ عن سرٍ ما، يحرك عقارب الساعة؟ أم عن وجه شبه بينها وامرأة عجوز، جدّة، وصفها الكاتب في حكاية أخرى في الكتاب، تسافر عبر الأعوام وهي تسأل: «كم بقي من المسافة؟».
حكاية الجدة، وحكاية الطفلة مفككة الساعة، جاءتا ضمن مجموعة حكايات حواها كتاب جاليانو (كلمات متجولة). هل سبق لأحدنا أن فكّر في ما إذا كانت الكلمات تتجول منفردة، منفصلة عن قائليها، شاقة لنفسها درباً غير الدرب، أو الدروب، التي هم فيها؟ هذا دأب جاليانو في هذا الكتاب، يحرضنا، دون تعسف أو قسر، على التفكير.