.
في مديح البيت
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
البيوت تموتُ إذا غاب عنها سكّانها، وتموت البيوت إذا هاجرها قاطنوها، أو هَجَروها أو هاجروا أو أبُعدوا عنها، وتركوها وحيدة. «لماذا تركت الحصان وحيداً يا ولدي؟ لكي يحرس البيت يا ولدي». والبيوت تموت إذا لم يعد أحد يطرق أبوابها، وإذا لم يزرها قريبٌ أو غريب. الحيطان تموت، تتقَشَّر، وتتصدّع، لا بل تبدو وكأنها احدودبت، وترهّلت، واصفرّ طلاؤها ولونها، وشحبت حجارتها، ونشفت أسوارها، وذبلت أبوابها، وانكسرت شبابيكها، وتحطّمت عتباتها، وهذا، صديقي القارئ ليس سجعاً ولا خيالاً ولا إنشاء أدبياً، ولا مجرد كتابة مشغولة بالشعر، وبلاغة الاستطراد.
البيوت مرايا لأهلها وهي أسماء أخرى لأصحابها ومالكيها، والبيوت حنو وحنان على طفولة الناس فيها، وهي أحضان وقلوب وصدور حتى لو كانت من الحديد والأسمنت. والبيوت رحمة وطمأنينة، والبيوتُ كتابة، ورسم، ونحت، وهندسة، وفلسفة، وحكمة.
أوّل بيت سكن في الإنسان، كما لو أنه كان فكرة أب أو فكرة أم. الأب والأم أصل العائلة، أصل شجرة العائلة، وما من شجرة عائلة إلاّ وتنمو وتكبر وتورف في بيت. ظهر البيت على الأرض، ولم يكن لبيت أن يظهر في بحر وعلى ماء، أو في سماء وعلى غيم، إلاّ في الشعر، وفي الخيال، وفي التصوّف، وفي الأسطورة، وفي الرؤيا، وفي الرؤية.
البيت قصيدة الأب، ورواية الأم، البيت بيت العائلة، بيت الطفل، وبيت الكهل، وبيت الشاب، بيت الشابة والطفلة والصبية.
البيت، بيت الشعر، وبيت القلم، بيت الكتب، وبيت العطر، والألوان، والقماش، والخشب، والسجّاد، والآنية، والسرير، والكرسي، والوسادة.
البيت عمل فني، وعمل أدبي، وعمل هندسي، وعمل روحي، وعمل نحتي، وعمل من أعمال الشعر والنثر، أو عمل من أعمال الواقع واللّا واقع. إنه أعجوبة القلب وفكرة الرّوح، واستراحة العقل..
البيت مرادف مادي ومعنوي للوطن، إذا خرجت منه ضعت أو تهت أو فُقدت، والبيت رمز طفولي أو فطري للرحم، وما نحن، هؤلاء الساكنين أو النائمين أو المقيمين في البيوت، سوى أجنّة صغيرة متجاورة تحت السقوف، وإلى جانب الجدران، وخلف الأبواب المغلقة: جنين إلى جوار جنين في بيت العائلة.
البيت قصيدة أو لوحة أو مسرحية أو أوركسترا أو رواية أو حكاية في آن واحد، وفي لحظة واحدة.
من بيوت هذا العالم خرج الشعراء، والفلاسفة، والمتصوّفة، والرسّامون، والنحّاتون، والموسيقيون، واللغويون، والخطّاطون، والأطباء، والحوذيون، والطغاة. جميعهم كانوا أجنّة في الرحم البشري الأول. البيت المائي، السديمي، الهَيَولي، الدفئي، الحنوني، السرّي، الغموضي، البيت المُطلق. البيت المغلق. البيت الذي لا يموت إذا غادره ساكنوه.