.
الكتابة ثم الكتابة
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
يوم على الأقل أو نصفه أو زِد عليه بعض الوقت للقراءة في إجازة عيد طويلة نوعا ما بالنسبة للكتّاب الذين لا إجازات لهم، وهو امتياز وخصيصة وتفرّد في المهنة والحياة واليوميات، فأين هو هذا الكاتب الذي يأخذ إجازة من الكتابة، أو يتقاعد أو يُحال على المعاش بتوصيف أهلنا في مصر؟؟
يظل الكاتب على ذمّة قلمه حتى لو احدودب ظهره، وفي الكتابة الصحفية المنتظمة إن كانت يومية أو أسبوعية يصبح الأمر عادة ثم سلوكا، ثم واجباً، ثم موقفاً، ثم حياة.
حين تتحول الكتابة إلى حياة يومية منتظمة أيضا تصبح سَرَياناً في الدم وفي العروق، وإذا كانت العادات التي تتمكّن من الإنسان وتحوّله إلى عبدٍ لها، فإن أجمل أشكال العبودية هي الكتابة.
على الرغم من أن جابرييل جارثيا ماركيز جلس على أموال نوبل مثل سيّد كولومبي أو مثل كولونيل برتبة روائي، وحرّرته الجائزة من الفقر، وما عاد في حاجة إلى أن يبيع زجاجات الكوكاكولا الفارغة ليؤمّن خبز عشائه، إلّا أن صاحب “مئة عام من العزلة” لم يتحرّر من الصحفي فيه، وظل عبداً أنيقاً للكتابة الصحفية وللصحافة حتى وهو في شيخوخته الكاريبيّة الأنيقة.
.. ولكن، ماذا عن “المموّل” المادي والمعنوي للكتابة سواء أكانت بقلم شاب أم كانت بقلم “شائب”؟؟، ببساطة، وبسرعة.. القراءة.
في الإجازات نعود إلى قراءات في كتب قديمة ربما لكي نكتشف كيف كنّا نقرأ، وكيف كنّا نحوّل المقروء إلى مرئي، بل، ومسموع.
في قراءات الشباب كانت المخيّلة سريعة وبديهية، فإذا قرأت “دمعة وابتسامة” لجبران، كنت وحدك تتولى تحويل الدموع إلى لؤلؤ منثور على كمّ قميصك الأبيض القطني آنذاك.
الكتاب المقروء كتاب مرئي، وملموس، ومسموع، ومشموم، ومحمول. إنه كتاب القراءة التي تموّل الكتابة. وهو الكتاب الذي يشبه مدينة أو عائلة أو يشبه بلداً، بل يشبه عالماً.
الكتاب رأس مال الكاتب، والقراءة تمويله وعائلته، ومَلمَسَه، ومسموعه، ومحموله.
لولا الكتاب، ولولا حملُ الكتابِ الذي هو القراءة، لما كان بورخيس، وَلَما كان ريتسوس، ولا كان الشعراء والفلاسفة والحكماء والفرسان.
لولا الكتب لما كان سقراط، ولا هوميروس، ولا أبو العلاء المعرّي، ولا المتنبي، ولا أمل دنقل، ولا أدونيس، ولا كفافي، ولا لوركا.
لولا القراءة لما كانت الكتابة. لولا القارئ لما كان الكاتب. لولا القارئ لما كانت الصحيفة. لولا القارئ لما كان الحوار. لولا القارئ لما كانت المدينة. لولا القارئ لما كانت الدولة.
في الكتب مرايا أنفسنا وأرواحنا.. ولا تستهن بكتاب أبدا. الكتاب يعرف ويرى، ويسمع، ويقول.
وفي الكتب رواياتُنا وحَيَواتنا، وشجاعاتنا، وهزائمنا، وتخيّلاتنا، وقصائدنا، ونارُنا، وحرائقنا.
القراءة صمت مع الذات. تكوين مع اللغة ومعناها، وصوتها، وبعدها. القراءة معنى. خفة نهارية عند الثانية ظهرا بلا صخب.
القراءة امرأة. تكوين فلسفي روائحي جسدي غرائبي. حتى أن الكتابة تصبح في الوقت نفسه الحياة.