.



أكل عليه الدهر وشرب




*جريدة الخليج


حسن مدن:


لا يأكل الدهر ولا يشرب، كما تأكل الكائنات وتشرب، ونحن البشر في مقدمتها؛ بل إن بيننا من يُعرفون بالشراهة في ذلك، ولكن العبارة هذه تطلق على الدهر. مسكين هذا الدهر، الذي نحمّله ما ليس في طاقته، فننسب إليه صفة هي من صفاتنا، ويقال إن هناك حديثاً نبوياً ينهى عن سبّ الدهر، حين نريد الشكوى من أحوالنا، فنقول: «فعل بنا الدهر ما فعل»، فيما الدهر براء مما نصف.


ولكنه المجاز! يا للغتنا الجميلة، حين تطلق مخيلتها إلى الأقاصي، فتجعل المستحيل ممكناً، حتى لو بلغ حدّ حمل الدهر على الأكل والشرب. وحسب شرح وارد على موقع «سطور»، نقرأ أن هذا التعبير يطلق على «الشخص الذي فني ذكره ولم يعد يُسمع من أخباره شيء منذ أمد بعيد، وكأنّ المقصد أن الدهر قد مرّ عليه الكثير بعد ذكر هذا الشخص»، لكن هناك رأياً آخر يرى أن «المقصود بمثل أكل الدهر عليه وشرب، هو أن الشخص قد طال عمره، وامتدت سنون حياته، وأنه أكل وشرب مدة طويلة من الدهر».


وفي المعاجم، فإن العبارة تقال لمن طال عليه الزمن حتى بلي وهلك؛ أي صار بالياً متهالكاً، وإلى الشاعر الجعدي ينسب البيتان التاليان: «سألتني جارتي عن أسرتي/ وإذا ما عيّ ذو اللب سألْ/ سألتني عن أناس هلكوا/ شرب الدهر عليهم وأكَلْ».


ولكنني أحببت أكثر التفسير القائل إن من أكل عليه الدهر وشرب هو: «من طال عمره وعرف حوادث الزمن وتأثّر بمروره عليه»، فهنا لا يعود التعبير مجرد هجاء لإنسان، أو سخرية منه، وإنما يندرج في مقام تقدير خبرته، وما منحته إياه الحياة من حكمة ومعرفة وتجارب، لا يتوفر عليها من هم أصغر منه سناً. وما أكثر ما سمعنا ممن هم أكبر منا سناً، وفي مراحلنا العمرية المختلفة، النصيحة القائلة: «لا تكرروا أخطاءنا»، أو «تعلموا من تجاربنا»، وعن هؤلاء «الحكماء» نقول: عاشوا ورأوا، ولا أدري إذا كان صحيحاً أن جلجامش هو القائل: «أنا من عاش ورأى».


لكن ليس البشر وحدهم من «يأكل عليهم الدهر ويشرب»، وإنما الأفكار والكتب أيضاً. وهنا، بالذات، تكمن المعضلة الأزلية، فهل كل الأفكار القديمة بالية، مضى زمنها ولم تعد صالحة لأزمنة جديدة مختلفة، ولأجيال نشأت في ظروف مختلفة كلياً وبمعارف ما كان من شأن الأجيال الأسبق أن تبلغها، أم إن في بعض، أو حتى في الكثير من هذه الأفكار والأسفار من النفائس، التي تحتاج إلى «جوهرجية» جديرين بتمييزها عما بلي وفسد؟