.
المكان المناسب لعيش الكاتب
*جريدة الخليج
حسن مدن:
أليس ضرباً من رفاهية لا لزوم لها أن يجري حديث عن «مكان مناسب لعيش الكاتب»؟ أليس الكاتب واحداً من خلق الله، عليه أن يعيش حيث يعيشون، ويعاني ما يعانون؟ أليس من حياة هؤلاء الناس يستمدّ الكاتب، والمبدع بشكل عام، أفكاره وتأملاته، وحتى خيالاته، ألا يغتني الإبداع بالتفاصيل التي تقدّمها الحياة، بحيث يبدو تعسفاً أن نقول بمكان مناسب للكاتب؟
أذكر أن استطلاعاً للرأي أجري لمجموعة من كتاب كبار من مختلف البلدان، ومن مختلف اللغات، نشرت له ترجمة في إحدى الدوريات العربية، لعلها «الثقافة العالمية» الكويتية، انطلق من هذا السؤال تحديداً، وفي حدود ما تسمح به الذاكرة، فإن ذلك الاستطلاع لا يقف عند المعنى المباشر الذي يخطر في البال، حول حاجة الكاتب للعيش في مكان بعينه، كي يتيسر له أن يكتب.
الاستطلاع تناول قضية أعمق تتصل بالعلاقة بين الثقافات والآداب، وكذلك العوامل التي تجعل حظّ كتّاب، أو مبدعي، أمة من الأمم، أو ثقافة من الثقافات أن يكون لهم حظ أفضل من الشهرة والانتشار بين القراء، مقارنة بنظرائهم في الثقافات الأخرى، وفي هذا فإن لمكان عيش الكاتب دوراً في ذلك، والمقصود بالمكان هنا هو البلد، لا الدار أو «العزبة» التي يقيم فيها الكاتب.
كثير من الكتاب يفضلون أن يغادروا بلدانهم الأم ويختاروا العيش في عواصم تتمتع بديناميكية ثقافية، وحركة نشر لا تتوفر في مساقط رؤوسهم، من أجل أن ينالوا من الشهرة والانتشار في فضاءات أوسع من فضاءات بلدانهم، التي تظل، مهما وسعت، محدودة.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن يحضرنا، كمثال فقط، اسم التشيكي ميلان كونديرا، فلنا أن نسأل لو أنه ظلّ في بلاده، التشيك، كاتباً بلغته القومية الأم، هل تراه كان سيحظى بالصيت الذي حققته رواياته التي نشرت في باريس، وتحوّله هو نفسه للكتابة بالفرنسية؟ أما كان سيظل مجرد كاتب «محلي»، لا يتخطى صيته دائرة القراء بلغة بلده؟ أي أن باريس، كمكان، والفرنسية، كلغة، ساهمتا في صنع شهرته، وترجمة ما كتب إلى اللغات العالمية الأخرى.
مع ذلك، فإن الأمر لا يقف عند هذه المسألة. ويمكن لمكان من الأمكنة أن يكون ملهماً للكاتب، بعيداً عن اللغة وحركة النشر، فهل كان الأمريكي إرنست همنجواي سيكتب «لمن تقرع الأجراس؟»، لو لم يقصد إسبانيا كمراسل صحفي لتغطية حربها الأهلية بين الجمهوريين والفاشيين، أو هل تراه كان سيكتب «الشيخ والبحر» لو لم يختر جزيرة كوبا مكاناً يعيش فيه سنوات عمره الأخيرة؟