.
رائحة المخطوط
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
الأساس في هذه المادة هو ذاكرة الورق، وهي ذاكرة ليست مجازية أو كنائية إذا اعتبرنا أن المخطوط هو واحد من حوامل أو مخازن الذاكرة الورقية، ولكن قبل الذهاب إلى توضيح هذه الفكرة الاجتهادية في الأصل، أي أن ذاكرة الورق تتمثل تماماً في المخطوط، قبل ذلك، يأتي تعريف الذاكرة في الموسوعة العربية على أنها عملية عقلية معرفية مركّبة تحوي قدرات كثيرة مثل الاحتفاظ، التعرّف، الاسترجاع، وتسمّى هذه القدرات الثلاث «عمليات الذاكرة»، والذاكرة عموماً في البشر والحيوان والنبات تتماهى تماماً مع الكائن البشري، فللذاكرة مثل الإنسان أمراضها وعلاجاتها، ولها برامج تنمية وتدريب.
في الموسوعة الحرّة الويكيبيديا، نطالع تعريفاً مشابهاً، فالذاكرة «هي إحدى قدرات الدماغ التي تمكنّه من تخزين المعلومات واسترجاعها، وتدرس الذاكرة في حقول علم النفس الإدراكي وعلم الأعصاب».
هنا وجدت في إطار قراءات سريعة ذاكرات عديدة علمية، وعضلية، ونفسية: الذاكرة المناعية مثلاً وعلاقتها بجهاز المناعة في جسم الإنسان، أما الذاكرة العضلية فتتصل بالرياضيين والقدرة السريعة لهذه الذاكرة على إعادة لياقة عضلة مصابة عند الرياضي إلى وضعها الطبيعي، ثم الذاكرة العاملة، وهي الذاكرة الطويلة الأمد، ثم الذاكرة الجمعية وهي تجمّع مشترك من المعرفة والمعلومات في ذاكرة شخصين أو أكثر ويستخدم مصطلح الذاكرة الجمعية كثيراً في الأدب، وربما يصح إطلاق هذا المصطلح على الجماهير (الجماعة البشرية الكبرى).
الذاكرة التكنولوجية تسمّى علمياً ذاكرة الوصول العشوائي «.. تعرف بذاكرة القراءة والكتابة، وهذا النوع من الذاكرة مؤقت يستعمل في الحواسيب»، وهناك ذاكرة أخرى قريبة في تعريفها من ذاكرة الوصول العشوائي هي الذاكرة الخبيئة «وهي ذاكرة وسيطة سريعة توضع بين وحدة المعالجة المركزية والذاكرة الرئيسية لتسريع أداء الحاسوب».
ولكن ما علاقة كل هذه التعريفات للذاكرة بالورق والمخطوط؟.. أولاً القاسم المشترك بين هذه التعريفات والورق والمخطوط هو الذاكرة نفسها، والأهم من ذلك أن الذاكرة الورقية التي هي الذاكرة البشرية قد أعطت الكثير من خصائصها للذاكرة التكنولوجية الآلية، الوضعية، الصناعية.
في محاذاة ذلك، ومن زاوية شعرية وحتى أنثروبولوجية أو تأويلية.. فللقماش ذاكرة حين يحتفظ برائحة الجسد البشري، وللرائحة في حدّ ذاتها ذاكرة، وحين تشم رائحة شجرة أو فاكهة أو حافلة أو سوق أو بقالية؛ فقد تعود بك هذه الرائحة إلى زمن ما ومكان في طفولتك وتذكرك على الفور بمشاهد وصور ووقائع بعيدة الأمد، وقد كان «غرونوي» الذي وُلِدَ بلا رائحة بشرية يمتلك حاسّة شم مرعبة كان من خلالها يحدد مكان رائحة ما ولو كانت تبعد عنه مئات الأميال.
الذاكرة بشرية أولاً وأخيراً بعيدة كل البعد عن مادية وحيادية الذاكرة التكنولوجية، وبذلك فهي الذاكرة الأكثر بقاء في البشرية والعالم، وقد يفقد الإنسان ذاكرته في حادث أو في صدمة نفسية أو وجودية ولكن الإنسان نفسه الذي صنع الورق وصنع المخطوط كان قد أودع ذاكرته في هذه المخازن الورقية، والورق لا يفقد الذاكرة.
علمياً، وفي الحاسب الإلكتروني يستخدم الإنسان تقنية الحفظ ، غير أن عطلاً طارئاً صغيراً في تيار كهربائي متصل بالكمبيوتر يؤدي إلى ضياع وفقدان ملفات إلكترونية هائلة من المعلومات، هذا عدا عن ظواهر إجرامية عالمية ذات صلة بالقرصنة الإلكترونية والفيروسية التي تمسح في ثوانٍ عالماً بأكمله من المعلومات.
على الضفة البعيدة من كل ذلك يحتفظ الورق برائحته، ويتعتّق حبر المخطوط في مخازنه الخشبية ذات الإضاءة الخافتة، وتظل كل هذه النعمة الورقية هدية من السماء للإنسان ما لم تطلها النار أو كوارث الحروب والأيديولوجيات المتصارعة التي تُبيد الكتب.