.
ذاكرة الآلة الكاتبة
*جريدة الخليج
حسن مدن:
حين دخل العالم عوالم الحواسيب، وجد الكثير من الكتاب المخضرمين الذين ألفوا الكتابة على الورق بالأقلام على أنواعها، أنفسهم في مأزق، كونهم في أعمار تجعل من هجرهم لعادة وطقوس الكتابة على الورق إلى الفضاء الحاسوبي الجديد أمراً صعباً لا يملكون مهاراته. ولتبرير موقفهم هذا كتب الكثيرون منهم مقالات يمجدون فيها الورق والقلم، لا بل ورائحة الحبر.
للتطوّر منطقه الذي لا يقهر، فهذا المديح للكتابة بالأدوات القديمة ما كان له أن يصمد أمام هذا التطوّر. الأمر يذكرنا بتمجيد ضوء الشمعة يوم لم تكن في الدنيا كهرباء. لا مراء في جمال الشمعة وضوئها حتى اليوم، لكن من بوسعه الاستغناء عن الكهرباء حالياً؟
الكثيرون من الكتّاب الكبار، قبل اكتشاف الحواسيب، كانوا يفضلون كتابة رواياتهم وقصصهم أو مقالاتهم على الآلة الكاتبة، التي جاء الحاسوب ليكون بمثابة «خير خلف لخير سلف» لها. ومن مشاهير الكتّاب الذين كانوا يكتبون على الآلة الكاتبة أرنست همنجواي، الذي وإن زاوج ذلك مع الكتابة بقلم رصاص، لكنه قال إنه يُفضل الكتابة على الآلة الكاتبة لأنها أسهل وممتعة أكثر. ولهمنجواي طقوس شائقة في الكتابة سنأتي عليها في مقال قادم.
سيّدة الروايات البوليسية آجاثا كريستي كانت، هي الأخرى، تفضل الآلة الكاتبة على القلم، أما الكاتب ترومان كابوت فهو مثل همنجواي كان يفضل الكتابة بالقلم الرصاص، لا بالحبر السائل أو الجاف، وبعد مسوّدتين للعمل، يضع الآلة الكاتبة على ركبتيه ويشرع في كتابة المسودة الثالثة عليها، مستخدماً ورقاً أصفر اللون بالذات، ويذكر أنه يستطيع أن يكتب حوالي 100 كلمة في الدقيقة.
عُرض تقرير على قناة «آر. تي» لتجربة هاوٍ روسي أنشأ متحفاً لأعداد كبيرة جداً من الآلات الكاتبة التي اقتناها أو أهديت له، وبلغات العالم المختلفة. يقول معدّ التقرير بأن اختراع الآلة الكاتبة يعدّ في حينه إنجازاً مهماً من الجانب التقني والاجتماعي، أما اليوم فإن حيازة أو جمع آلات كاتبة باتا فكرة «تداعب خيال المبدعين وشغف المهتمين باقتناء التحف الجميلة».
يضمّ المتحف آلتي كتابة باللغة العربية، من إنتاج شركتين مختلفتين، ويقول مكسيم سورافيجين، صاحب المتحف: إن الفضل في اختراع آلة كاتبة بالحروف العربية يعود إلى الفنان التشكيلي اللبناني سليم شبلي حداد، الذي بهره ما شاهده في معرض للفنون حضره في شيكاغو، فانصرف نحو تصميم آلة كاتبة بحروف عربية.
وعلى أحد المواقع قرأت أن لبنانياً آخر كان مهاجراً لمصر مثله، هو فيليب واكد، كان شريكاً له في إنتاج تلك الآلة في العام 1926م.