.
ثيربانتس.. كيف يعرّف الشعر؟
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
حقاً، ميغيل دي ثيربانتس ليس «دون كيخوته» فقط، كما جاء في كتاب صغير نقله من الإسبانية إلى العربية المترجم حسين نهابة موضوعه حوارات وأسرار تنشر للمرة الأولى، ومن بينها أفضل عشرة كتب ل: «ثيربانتس». ولكن قبل الإشارة إلى هذه الكتب، يعرف قارئ «دون كيخوته» أن ثيربناتس كان جندياً وعرف الأسر في الجزائر، وهو شاعر ومسرحي ومغامر أو فارس يبحث دائماً عن المغامرات ويخوضها بسيفه وحصانه وترسه وخادمه سنشو إذا اعتبرنا أن «دون كيخوته» فيه الكثير من مؤلفه أو كاتبه..
غَطّت «دون كيخوته» على جميع الكتب التي ألّفها ثيربانتس، كأنه لم يكتب سوى هذه الرواية الحية والمتداولة إلى اليوم بطبعات وترجمات جديدة سواء عن الإسبانية أو عن لغات وسيطة، ولكن تظل أقوى هذه الترجمات ما كانت على يد الفيلسوف العربي المصري عبد الرحمن بدوي.
ترجمة حسين نهابة عرّفتنا بثيربانتس الآخر، أو عرّفتنا بالوجه الآخر لثيربانتس، الوجه الذي اختفى تماماً تحت ما يمكن أن يسمّى قناع «دون كيخوته»، والغريب هنا أن العرب حين يقرأون هذه الرواية المحيطة بالكثير من ثقافة وأخلاقيات وفروسيات القرن السادس عشر يختزلون كل الرواية التي تقع في أكثر من ألف صفحة من القطع الكبير في مشهد هزلي ل«دون كيخوته» حين يظن أن طواحين الهواء مجموعة من المردة العمالقة، فيستل سيفه ويهجم على طواحين الهواء في مشهد كاريكاتوري عبثي بحسب بعض القراءات العربية، غير أن جوهر هذا المشهد بالذات هو ساخر تماماً، بل إن الرواية برّمتها هي رواية ساخرة بامتياز.
أحياناً، يسخر دون كيخوته من كتب الفروسية، وأحياناً، يسخر من الشعراء، لا بل يعطي في الرواية الضخمة هذه حيّزاً إبداعياً ذكياً للتعريف بالشعر من وجهة نظره. في الفصل السادس عشر من الجزء الثاني من دون كيخوته يقول ثربانتس عن الشعر: صفحة ٦٤٨ ترجمة د. بدوي «الشعر جوهر صافٍ ذو قوّة تجعل من يعرف كيف يمارسه يحوّله إلى ذهب إبريز خالص»، وفي مكان آخر من الرواية يقول: «إن الشعر يا سيّدي فتاة جميلة رقيقة يلذ لفتيات أخريات كثيرات، هي العلوم الأخرى، أن تغنيها وتزينها وتزوّقها».
درس طويل عريض لكنه رائع وحقيقي حول الشعر يلقيه ثربانتس على شعراء القرن السادس عشر في إسبانيا وغيرها من أقاليم وإمبراطوريات الشعر بلا مبالغة وبلا غرور، ومع ذلك، كان ثربانتس شاعراً فاشلاً، وحتى لو في حدود دنيا كان شاعراً ناضجاً، فإن هذا النجاح قد غطّى عليه «دون كيخوته».