مليون أرملة
مقال يوسف أبو لــوز
مليون أرملة في العراق مضرّجات بالدم وبالدموع . هكذا جاء الخبر السريع في وسائل الإعلام، وسواء أكان الخبر صحيحاً أم مبالغاً فيه، فعلى الوجهين “وعلى النهرين”، ثمة بكاء ونحيب في العراق . مليون امرأة صرخن بصوت واحد “وامعتصماه”، لكن الصوت ذاب في الهواء وتبخّرت الدموع تحت شمس عراقية حزينة .
مليون أرملة يطبخن الحصى لأولادهن، عابرات كالظلال المنكسرة بالقرب من شجرات النخيل المنكسرة أيضاً . حتى كأن الشجرة هي الأخرى أرملة .
والمرأة شجرة في المجاز الشعري الجميل، ولكنها في حالة العراقية غابة دمع وغابة صراخ يسمعه الحجر، ولا يسمعه البشر في هذه التراجيديا البذيئة التي صنعتها، ايضاً، حروب بذيئة .
هذه هي هدية الاحتلال إلى العراق . سبع سنوات عجاف . جفّ فيها عود السنبلة وعود المرأة، أما “عيون المها بين الرصافة والجسر” . . فقد ملأها الرماد بدلاً من خط الكحل الأسود على الرمش الذي يذبح قلب العاشق لشدة رهافته .
لا شيء، الآن، من هذا القبيل، ولو يعرف علي بن الجهم بأن شعره العاطفي هذا يُستعاد في زمن الحرب لا في زمن الحب لأغلق فمه بالشمع .
مليون أرملة يحدّقن في صف من التوابيت التي منها الصغير ومنها الكبير . توابيت للطفولة وأخرى للكهولة، والدمع يتساقط على الخشب وعلى التراب، والشمس كالعادة، تصحو مبكراً، لتطرح السلام على الموتى وعلى الأحياء معاً . . لتطرح السلام على بغداد، وياحسرتاه على بغداد .
بغداد أرملة هي الأخرى . يتيمة وضائعة في ضباب أسود، بلا شقيقات ينزعن من قدميها الشوك، وبلا إخوة يجلبون لاختهم الزيت والدقيق .
أجل، تترمّل النساء والمدن والأشجار، أي تتحول إلى رمل، وما أصعب أن تتحول امرأة أو مدينة أو شجرة، من كينونة الكائن الجمالي الحي إلى كينونة التراب أو الرماد .
مليون أرملة . . مليون أغنية حزينة يخجل منها القلب . . ولكن أي قلب؟