.
لا يقرأ ولا يكتب..
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
من الشائع في خطابنا اليومي والشعبي والثقافي أيضاً عبارة متداولة: «..لا يقرأ.. ولا يكتب» وتحيل هذه العبارة مباشرة إلى كل من لم يحظ بنصيب من التعليم في المدرسة، فهو أمّي لا يقرأ ولا يكتب، وفي اللسان الشعبي أيضاً يوصف هذا المسكين الأمّي بأنه لا يفك الخط، وفك الخط هو القراءة، وهي مجاز شعبي أو كناية شعبية ذكية تكشف عن البلاغة الفطرية المضُمرة والعبقرية عند أولئك الناس البسطاء الشعبيين الذين لو كان لهم في الحياة حظ فكّ الخط، لكانوا قرّاءً لا يُشَقّ لهم غبار كما يقولون في المثل الشعبي المجازي والعبقري هو الآخر.
هؤلاء الذين لا يقرأون ولا يكتبون الأمّيون الذين لا يفكّون الخطوط يحملون في دواخلهم أشواقاً عظيمة للقراءة والكتابة، وقد يتعلّمون من أبسط الأشياء وأسرعها، وكم من امرأة أمية تعلمت الكتابة من كثرة إصغائها إلى ابنها الابتدائي الذي يذاكر دروسه أمامها، وهي صافنة هادئة، تحدّق في الحروف والكلمات التي تبدو لها أعجوبة «يفكّكها» ابنها الصغير.
في داخل هؤلاء الأُمّيين الفطريين رغبة وجودية في تعلم القراءة والكتابة. وحين يتعلم الواحد من هؤلاء فك الخط فإنه أوّل ما يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وأوّل ما يكتب.. يكتب اسم الله.. هكذا بالفطرة، وبالقلب..
يكتشف الأمّي ثنائية تفكيك وتركيب الخط بفطرته الشعبية أيضاً، فهو حين يفك الخط فهو يقرأ، وحين يركّب الخط فهو يكتب، وفي الحالين هي طريقته وأسلوبه و«منهجه» في التفكيك والتركيب.
يفكّك الأمّي اللغة من دون حاجة إلى مصطلح «التفكيكية» الذي وضعه الفلسفي الفرنسي «جاك دريدا» قبل أكثر من نصف قرن في أواخر ستينات القرن العشرين، ومن حاجة إلى كلمات كبيرة مثل: «المصطلح»، «الدلالة»، «الإشارة»، «الإحالة»، وغيرها من ثقافة فخمة لا يحتاجها هذا الإنسان العادي، ومن أجمل أمنياته أن يكتب اسمه بخط رقعة، أو خط نسخ، ويرى في الخط صورته، وصوته، وهويته.
أتوقف هنا عند هذه التداعيات التي فرضت نفسها على الكتابة لأتحوّل إلى «أمّي» آخر في حياتنا الثقافية الرسمية هو فعلاً من لا يقرأ ولا يكتب، ولا يفك الخط.
البعض ممن يقرأ ويكتب، هو في حقيقته لا يقرأ ولا يكتب، وتلك المرأة الأمّية التي تصغي إلى مذاكرة دروس ابنها الابتدائي هي أكثر ثقافة من هذا المدّعي الرسمي، المتبختر في الحياة الثقافية مثل الطاووس وهو فعلاً لا يقرأ ولا يكتب.
كيف لا يقرأ المتعلم، المثقف، ابن المدرسة؟؟.. ببساطة لا يقرأ لأنه لا يفتح سوى عدد محدود من الكتب في العام، خمسة كتب أو عشرة على الأكثر في السنة، وهذه نسبة مخيّبة ومؤسفة، إلاّ إذا كان قارئاً إلكترونياً، ويقرأ من الكمبيوتر أكثر مما يقرأ من الورق.. وهذه قصة أخرى.
أما كيف لا يكتب؟؟.. فلأنه إن كتب، فإنما يكتب ركاكة في ركاكة، ويصوغ نصّاً من قشّ، ويصنع كتابة من الخشب، فمثل هذا.. هل كَتَبْ؟؟؟