.
أحياء وأموات
*جريدة الخليج
حسن مدن:
لعلّها ليست المرة الأولى التي نقرأ فيها، أو نسمع خبراً عن أشخاص قرر الأطباء أنهم فارقوا الحياة، ليفاجأ أهاليهم أثناء تشييعهم إلى مثواهم الأخير بأنهم عادوا إلى وعيهم، كأنهم كانوا نياماً فقط، أو في غيبوبة أفاقوا منها، وهذا ما حدث أخيراً مع امرأة في مدينة كازان الروسية، حين استيقظت خلال جنازتها، قبل لحظات قليلة من الشروع في دفنها.
اعتقد الأطباء أن فاجيليو موخاميتزيانوف، وهذا هو اسم المرأة البالغة من العمر 49 عاماً، قد فارقت الحياة عندما سقطت فجأة في منزلها، إثر إصابتها بآلام في الصدر. وبعد نقلها إلى المستشفى، أكّد الأطباء وفاتها، عقب فحصها، فبدأت العائلة باتخاذ إجراءات الدفن، حيث رتب الزوج جنازة مفتوحة لزوجته في نعش مفتوح، فيما توافد الأقارب والأصدقاء لإلقاء النظرة الأخيرة عليها.
صدمة كبرى انتابت المشيعين الذين كانوا يصلّون لأجلها، حين سمعوا المرأة تصرخ بأعلى صوتها وهي مسجاة في النعش، إذ فتحت عينيها لتجد نفسها داخل ذلك النعش، وسارع الزوج المصدوم إلى نقل زوجته بسرعة إلى المستشفى، ولكنها، ويا للأسف، لم تعش سوى لمدة 12 دقيقة في العناية المركزة، قبل أن تموت «مرة أخرى»، ولكن هذه المرة إلى الأبد.
طبيعي أن ما جرى أثار غضب زوج المتوفاة وأهلها على الأطباء الذين سارعوا لإعلان وفاتها أول مرة، من دون التأكد من ذلك، فيما كان من المفروض عليهم بذل ما هو مطلوب منهم من جهد واهتمام لإنقاذ حياتها، وأعلنت إدارة المستشفى أنها تتولى التحقيق في ملابسات ما جرى.
والتقرير الذي أورد تفاصيل الحكاية تحدث عن حادثة مشابهة جرت في إحدى مدن بيرو، بأمريكا اللاتينية، وفي تفاصيل تتطابق، تقريباً، مع ما جرى في كازان، حين فوجئ معزّون، خلال تشييع جنازه سيدة اعتُقد أنها ماتت بسبب حادثة، بسماع طرْق من داخل النعش، هرعوا بعده لفتحه ليجدوها تحملق في وجوهم، إلا أنها سرعان ما فارقت الحياة، هي الأخرى، بعدها بساعات داخل المستشفى.
قد يصحّ وصف من مروا بهذه الحال بالأحياء الأموات، أو الأموات الأحياء، وهذا الوصف لا ينطبق عليهم وحدهم، فما أكثر الأحياء الذين يعيشون حياة تجعلهم كالأموات، وصادفتني عبارة معبّرة لأحدهم، أو إحداهن، تقول: «ليس الموت هو أكبر خسارة في الحياة، فأكبر خسارة هي ما يموت في داخِلنا ونحن ما زلنا على قيد الحياة». وليس غريباً أن المهتمين بالصحة النفسية اهتموا بهؤلاء الأموات وهم على قيد الحياة، وليس غريباً أيضاً أن وصفتهم للتغلب على ذلك ستبقى تدور في فلك الحثّ على امتلاك مصادر ما يعرف بالطاقة الإيجابية، والتسلح بالأمل في مواجهة بواعث اليأس والغضب والضيق.