.
حكايات و«تخاريف»
*جريدة الخليج
حسن مدن:
يحكى أن غزالاً ورد عين ماء، ذات يوم، ليشرب منها، فغرّته قوّته فنزل حتى الوحل، وغاص هناك وعجز عن الخروج ثانية.
ربما لا يكون هناك غزال بعينه وقع في هذا المطب، ولكن واضع هذه الحكاية أو مؤلفها أراد بها أن تكون بمنزلة حكمة علينا أن نتعلمها في الحياة، بأن نجد في حكاية الغزال عبرة، حتى لا نغوص في أوحال الحياة حين نقدم على خطوات غير مدروسة، ويصحّ هذا على الأفراد والجماعات وحتى الدول والأمم، فالمراد من حكاية هذا الغزال المغرور أو المفتون بقوّته، أنّ على المرء وزن خطواته بعناية قبل أن يقدم عليها، أو ما يمكن إيجازه في القول: «قدّر لنفسك قبل الخطو موضعها»، فقد تترتب عليها من التبعات ما ينطوي على خطورة تجعل صاحبها يندم عليها ويقول: ياليتني لم أفعل ما فعلت، ولكنه يقول ذلك بعد فوات الأوان.
وجب القول إن هذه الحكاية وحكايات أخرى مشابهة أوردها الأديب المصري الكبير يحيى حقي مما تحتفظ به ذاكرته عندما كان تلميذاً في المدرسة، وكان يجري، يومها، إيراد هذه الحكايات في المقررات الدراسية كي يحفظها التلاميذ، ويأخذوا منها الدرس والعبرة، ليستفيدوا منهما في قادم السنوات من حياتهم عندما يكبرون وينخرطون في معارك الحياة.
حكاية أخرى أوردها حقي عن دبّة أرادت أن تهشّ ذبابة عن وجه صاحبها النائم بأن ألقت حجراً عليه، فأصابت وجهه وأدمته، وعلى هذه الحكاية ينطبق القول، أو بالأحرى يُستمد منها القول: «عدو عاقل خير من صديق جاهل».
الطريف أن يحيى حقي علق وهو يورد هذه الحكايات وسواها، وفي نوع من السخرية من الذات، أو فلنقل في نوع من «النقد الذاتي» بالقول: «والغريب أني ارتكبت في حياتي كل ما حذرتني منه هذه الحكم والأمثال، كأن كل واحد منها لم يكن درساً بل نذيراً».
في المقال الذي تناول فيه حقي موضوع المثل والأحكام تحدث عن عالم نفس كبير اسمه أندريه سيغفريد، كان عضواً في الأكاديمية الفرنسية، قال إنه وضع كتباً مهمة، ولكن يبقى أن «لكل عالم ساعة تخريف»، ومن «تخاريف» هذا الرجل، والوصف أطلقه يحيى حقي لا نحن، أنه وضع كتاباً أسماه «كيف تصبح خطيباً؟»، وهو عنوان يُذكّرنا بعناوين كتب مشابهة من نوع «كيف تصبح مليونيراً؟»، أو «كيف تصبح سعيداً؟»، كأن هناك وصفات سحرية تأخذ بها فيكون لك ما أردت.
قرأ يحيى حقي كتاب الرجل عن الخطابة، رغبة منه في أن يصبح خطيباً مُفوّهاً، وذلك قبل أول مرة كان عليه أن يتحدث فيها أمام الجمهور في ندوة، «فما رأيتني، يقول حقي، إلا أتلعثم وأتلجلج».