شعرية الفضاء في قصيدة «في القدس» لمحمود درويش








د. عباس عبدالحليم عباس


عندما تدخل إلى أي عمل أدبي مدخلاً تأويلياً ، فإننا نعترف اعترافاً مباشراً أو غير مباشر أن هذا العمل يبطن ما لا يظهر ، وأنه عمل قادر على أن يجعلنا محاورين جيدين ، قارئين فاعلين ، واعين ، ديموقراطيين. إنّ النص الذي يسمح لك ، ولي ، ولنا بتأويله نص حيّ ، يتحدّانا بحيويته ، بحركته ، بقلقه وألقه.



ومن هنا لا بدّ أن يدرك المؤوّل خطورة عمله ، وقصور علمه ، ولكنه يمضي في تأويله تحدوه الثقة باكتشاف النص ، وبأنه باب مشرع ، و"عمل مفتوح على مجموعة لا نهائية من القراءات المحتملة".




وهو ما يراهن عليه المؤوّل وكل القرّاء والنقاد والمحللين الذين شغلهم النص عبر تاريخ طويل للنظريات النصية المتعاقبة من ذوقية ورمزية وبنائية وتفكيكية وإشارية وغير ذلك. غير أننا يجب أن نحذر من فكرة الانفتاح هذه ، إذ قد يتورط المؤوّل في آراء فردية غاية في الإغراب والبعد عن الحقيقة ، بينما يفترض في التأويل أن يستند إلى مرجعية النص الأدبي التي تساعد على معرفة ما تقوّمت به إنتاجية النص من بناءات لغوية ، حقيقة أو مجازاً ، وتعدداً لمعاني الدال أو تفرّداً لها. لذلك لا يمكن أن يتجرّد الإنسان من وضعية اللغة التي تَشَكَّل مخزونه اللغويّ منها ، لكن باستطاعته أن يتناول حركة المدلول من خلال ما تفرضه تلك الحركة من استدعاء آليات معينة نلمسها في ظواهر الاستبدال والتغيير من خلال البحث عن إحداث علاقة المشاكلة بين الدال والمدلول. وهذا مؤشر واضح إلى أن اللغة لا تقف عند حدود الوضع ولا عند حدود نمطية الاستعمال المطّرد والثبات عليه: فهي بتقلباتها الاستبدالية والتغييرية تصبح لغة حية متحركة ومتجددة باستمرار" مما يجعل أحادية المعنى محض أسطورة ، ويدفع باتجاه التعددية والدينامية التي تغري المؤوّل بالمزيد من التأمل والمزيد من الحوار والسؤال.



والمؤولون يرون أن "السؤال قمة التأويل ، لأنه ينطوي على اتجاه الجواب وحدود طاقته. والحوار هو التعبير الحقيقي عن التأويل بمعنى أننا نحوّل العبارات الثابتة إلى سؤال وحوار أو حديث أو حركة ، والتأويل هو إثارة السؤال المنبثق من حركة النص. سؤال النص للقارئ وسؤال القارئ للنص. التأويل إذن أسلوب ثقافي معين يسمّيه جادامر أحياناً باسم التحرر القلق من الأوهام. جادامر يبحث عن ديموقراطية الحوار ، وهو مسوق بنفس الشوق إلى السؤال ، وحركة الذهن ، ومشاركة الجميع ، وولادة المعرفة" ، تلك التي يسعى المؤول إلى إنتاجها باستمرار ، بعيداً عن الشطح في الاستنتاج ، والإسراف في تحميل النص ما لا يحتمل ، صحيح أن أي قراءة للنص ، تأويلية وغير تأويلية ، لن تكون بريئة في خلفياتها ومراميها ، ولكن شهادة براءتها التي يُراهن عليها بحق هو بعدها عن (عنف القراءة) لأن التأويل في كثير من حالاته ، كما يرى فوكو ، "فعل قائم على عنف يمارسه المؤول على النص." بناءً على هذا الأساس ، يأمل كاتب هذه السطور أن يكون عنف القراءة الذي يمارسه عنفاً جميلاً يخدم يعاين ألق النص ولا يؤذيه.




"في القدس ، أعني داخل السور القديم ،

أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى

تصوًّبني".



تضحّي القصيدة بداية بالبنية اللغوية الرسمية ، متجنبة البداية النحوية العادية ، أي جملة (المبتدأ والخبر) المعتادة تلك التي تمثل وصفاً محايداً. ويفضّل الشاعر شبه الجملة (في القدس) منطلقاً للنص وعتبة له وعنوانه الأصيل. ويمكن تأويل هذا الاختيار من جوانب عدة ، أهمها أن عبارة (في القدس) تدل على أنّ ثمة محتوياً ـ ومحتوى ، وأن هناك علاقة إيجابية بين صاحب الخطاب والمكان. كما أن تركيب شبه الجملة نمط لغوي ضعيف وغير مستقل بذاته يعكس الإحساس بالضعف الإنساني الواقعي الذي يردفه درويش مباشرة بجملة توضيحية ، وكأنها تحديد هوية ضائعة: (أعني داخل السور القديم).


وتعميقاً لهذا الإحساس بالضياع تأتي عبارة (أسير من زمن إلى زمن بلا ذكرى ـ تصوّبني).


ففي هذين البيتين: الأول ، والثاني ، يعزز الشاعر متاهة الفضاء (الزماني ـ والمكاني) في النص عند مواجهة الزمن الحاضر. غير أن المدينة على صعيد الحقيقة ـ أي التاريخ ـ يمتد فضاؤها الزماني من أعماق التاريخ إلى أفق المستقبل: فلا تعود في حاجة إلى تحديد هوية أو تاريخ:


"فإن الأنبياء هناك يقتسمون

تاريخ المقدس.. يصعدون إلى السماء

ويرجعون أقل إحباطاً وحزناً ، فالمحبة

والسلام مقدسان وقادمان إلى المدينة".




والناظر في تفاصيل الدلالة المعجمية لهذا المقطع يحس بجماليات الفضاء النابعة من:


أخوة الأنبياء وتعايشهم ، علاقة الأرض بالسماء ، العودة أقل إحباطاً وحزناً ، والمحبة والسلام قادمان إلى المدينة.




وعلى صعيد النمط اللغوي المستخدم نلاحظ أنّ: الجمل الإسمية بما هي دالة على الثبوت (الأنبياء يقتسمون ـ المحبة والسلام مقدسان ـ وهما قادمان إلى المدينة) ، الأفعال المضارعة بما هي دالة على استمرارية الزمن المرغوب فيه (يقتسمون ـ يصعدون ـ يرجعون). ولتنظيم فهم أبنية الفضاء النصي في القصيدة ، أقترح تأويلات ملائمة لتقاطع أربعة فضاءات مهمة وأساسية في النص هي: فضاء الذات ، فضاء الزمان ، فضاء المكان وفضاء الآخر. وسأكتفي هنا بمقاربة تقابلية لفضاءي: الذات والآخر عبر اختبار لمكونات كل منهما: ففيما يخص فضاء الحضور الذاتي في القصيدة ، مارس الشاعر نمطاً من التوزيع للأنا ـ الذات داخل فضائها الخاص ليخلق منها ذاتاً فاعلة منتجة إيجابية ، لا مهمشة أو مستهلكة أو سلبية. ففي الشريحة الأولى برزت الأنا من خلال الفعل (أسيرُ) ، وفي الشريحة الثانية برزت الأنا من خلال الأفعال (كنت - أمشي وأهجس) ، وفي الشريحة الثالثة برزت الأنا من خلال الأفعال (أسيرُ ـ أحملق ـ لا أرى ـ أمشي ـ أخفّ ـ أطيرـ أصير) ، وفي الشريحة الرابعة برزت الأنا من خلال الفعل (أمشي) ، وفي الشريحة الأخيرة برزت الأنا من خلال الأفعال (لا أمشي ـ أطير ـ أصير ـ أفكّر ـ قلتُ ـ ونسيتُ).



ولا شك أن القراءة التأويلية تفصح عن كثافة في الأفعال المضارعة بما لها من دلالة على الحيوية والحركة والفاعلية والتغيّر. والشاعر بهذا العمل الاستحضاري المكثف للذات وفاعليتها "يهدم ويلغي مصطلح موت المؤلف ويحل محله مصطلح موت الموت " بما يعني ولادة الحياة وتجددها باستمرار. كما أن رصد فضاء التوزيع للذات في مناخ القصيدة وإطارها المادي يفصح عن سيطرة حضور الذات على الفضاء النصي في جمل القصيدة وأبياتها على صعيد كلّي ، وبصيغ الأفعال والأسماء معاً ، ولا شك أن إحصاء هذه الاختيارات اللغوية له دلالته في علم الأسلوب الإحصائي.



وإذا كان ما سبق يقارب (فضاء اليقظة) في الحديث عن الذات ، فإنّ (فضاء الحلم) في النص يقدّم معطيات تأويلية مهمة ، إذ إنّ المقطع الحُلُميّ ، بما ينطوي عليه من حضور غيبي للذات يسهم في تكملة صورتها بل إنالمؤوّل يطرح احتمال كون النص كاملاً بنيةً حلمية وفضاءً رؤيوياً ، وهي خديعة شعرية تمكن الشاعر من إتقانها ، حيث لم يسمح لقارئه أن يحس بهذه البنية إلا عند ولوجه منتصف النّص:

"أسير في نومي. أحملق في منامي. لا

أرى أحداً ورائي. لا أرى أحداً أمامي.

كل هذا الضوء لي. أمشي. أخفّ. أطير

ثمّ أصير غيري في التجلّي".



ويلجأ درويش إلى الحُلُم كتقنية شعرية لصياغة عالم لا يوفّره الواقع ، والحُلُم - على حد تعبير شاعر آخر كأدونيس - "هو الذي يكشف عن هذا العالم ويحرره" ، بمعنى يحوّله إلى واقع في نظر الشاعر ، أو يخلقه من عدم حين يعجز الواقع عن تحقيقه ، وفي المقطع السابق يسهم الحلم في الامتداد (بفضاء الذات) لتسود وتسيطر بالكليّة:


"لا أرى أحداً أمامي ، لا أرى أحداً ورائي

كل هذا الضوء لي".



وبما أن "الحلم في العرف النقدي شعر غير إرادي" ، فهو هنا جزء أساسي من النص وفضائه الشامل الذي يمكن أن يغلّف القصيدة بأكملها لتبدو كأنها حلم من أولها إلى آخرها. وهذا يدعم طاقتها الشعرية ودلالاتها من جهة ويسمح بإضافة شحنة الدلالة المحمولة بالحلم نفسه ، والتي تكشفها آليات (تأويل الرؤى والأحلام) وبذا يمضي الشاعر باتجاه مضاعفة دلالة النص وإذكاء جذوته. وهنا لا بأس في محاولة تأويل دلالات بعض عناصر الرؤيا كالضوء ، الطيران ، مثلاً ، فرؤيا الضوء ـ كما ورد عند النابلسي ـ يدل على "رسول أو علم" ، والطيران يدل على "خروج من سجن ونيل الأمنية": فالأحلام تثري فضاء النص بأفق دلالي مضاعف لا بد من استثماره في العمل التأويلي.



وإذا انتقلنا إلى فحص فضاء الآخر في النّص ، فإن محمود درويش عمل على تشويه هذا الفضاء وتقديمه في سياق السلب التهميش وفقدان الذات لحقيقتها:



"ماذا بعد؟ صاحَتْ فجأةً جنديةّ

هو أنت ثانية ؟ ألمْ أقتلكَ؟

قلتُ: قتلتًني... ونسيتُ ، مثلكً ، أن أموت".



فهنا تصوير لخسارة الآخر عالمه وطبيعته: فالتي تصيح جندية ، وليس جندياً. بمعنى أن الآخر ، في عمق حقيقته ، مؤنث. ويمكن فهم هذا الاختيار عند مقابلة الأنوثة بالذكورة في عالم الحرب. كما أن هذا الآخر يخسر ، أمام درويش ، كينونته الطبيعية إذ لم تحضر الأنثى بقوة أنوثتها وبهاء خلقها ، إنما حضرت بهذا الوجه المشوّه واللامتناغم أو اللامنسجم مع طبيعتها ، فضلاً عن عدم الفاعلية أو التأثير وعبثية الفعل (ألم أقتلك؟) ـ نلاحظ السؤال المسبوق بنفي ، ونلاحظ أيضاً أن الفضاء اللغوي المنتج للآخر يتصف بما يلي: ضعف الحضوراللغوي الناجم عن ضعف كثافة اللغة المشكلة لهذا الفضاء ، تأخر حضور الآخر إلى نهاية النص في مقابل حضور (الذات) في البداية ، طبيعة الأفعال الدالة على الآخر (فعل ماض: صاحت ـ مضارع تخلى عن طبيعته وتحول إلى ماض متمثلاً في: ألم أقتلك؟) ، سلبية الدلالة وعدم فاعليتها لأن فضاء الآخر حاضر عبر جملتي استفهام لا تتضمنان أي معرفة: (هو أنت ثانية؟) و(ألم أقتلك؟) ، ولا يوجد أي تمثل (إسمي) للآخر سوى كلمة (جندية) ، والتي أضفت دلالة سلبية له كما أشرت آنفاً.


* نقلا عن الدستور الاردنيــة
* الملحق الثقافي،،