.
دمع وحبر وسفرجل
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
يروي بابلو نيرودا في مذكّراته «أعترف بأنني قد عشت»، ترجمة د. محمد صبح، إن ما سّماه (أوائل الحب النقية) كانت رسائل موجّهة إلى فتاة تدعى (بلانكا ولسون) ابنة حدّاد البلدة الشهير، وكان نيرودا يكتب رسائل حب لها بناء على طلب فتى آخر كان مغرماً بها، ويقول إن الفتاة سألته ذات يوم عمّا إذا كان هو (نيرودا) كاتب تلك الرسائل الغرامية وليس الفتى صاحبه الذي كان ينتحل تلك الرسائل، فأجابها بأنه هو فعلاً كاتب رسائل الحب تلك، عندها، يقول نيرودا أن الفتاة ناولته حبة سفرجل لم يشأ أن يقضمها بل احتفظ بها «وكأنها كنز ثمين»، وهكذا أبعد نيرودا ذلك الفتى عن قلب الفتاة ومضى يكتب لها رسائل غرام «لا تنضب»، أما الفتاة فراحت تعطيه كل يوم سفرجلة وراء سفرجلة.
الكثير منّا كان في صباه أو في شبابه الأول كاتب رسائل حب، إمّا باسم صديقه، وإمّا باسمه هو ويبعث بها إلى فتاة بعينها، وربما كانت تلك الرسائل هي «الأعمال الأدبية» الأولى للكاتب، كما يقول نيرودا، الذي اكتشف من خلال تلك الكتابة بذرة الشعر في قلبه، وسيكون في ما بعد واحداً من كبار شعراء العالم.
غير أن من أجمل رسائل تلك الطفولة هي تلك التي كنّا نكتبها للفلّاحين من مزارعي القمح والشعير والخضار في الأرياف البعيدة، وكان أولئك لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فيطلبون من أولاد المدارس في الإعدادية أن يكتبوا رسائل لأبنائهم في الغربة إذْ كانوا يتعلّمون في الجامعات، فيطلب الأب أو تطلب الأم كتابة رسالة إلى ابنها هناك، وتخبره بأحوال العائلة، وتسأل كيف يأكل وكيف ينام، وأذكر أن امرأة فلّاحة كانت في الأربعين من عمرها تنحني على أحد أولئك الكتبة وتتابع الخط على الورق، وتتأمل الكلمات المصفوفة المكتوبة بالحبر الأسود على ورق أبيض، وفيما المرأة تملي والفتى يكتب، كانت دموعها تتساقط على الورق والحبر الأسود، فتصبح الرسالة كما لو أنها رسمة أو مجموعة رسومات بالكحل أو بالدموع.
أحياناً، كنّا نقرأ الرسائل الواردة لأولئك الفلّاحين من أبنائهم، وفي المقابل كان البعض من أولئك القارئين النبلاء يخفي تلك البقع السوداء على الورق والحبر، فلا ترى الأم دموع ابنها، وتأخذ بلمس الرسالة، وتشمّ رائحة الكتابة.. رائحة الولد البعيد عن الرّيف والزرع والعائلة.
..بعد كل هذه الحكاية.. بقي السفرجل.. بقيت لنا أيضاً بعد الخمسين والستين من العمر تلك الرسائل الحلوة.. المالحة.. المبقّعة بالدمع أو بالحبر الذي يبدو كما لو أنه لم يجفّ إلى اليوم.