العائلـــة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج



مطلوب بالتأكيد نقل تغريد العصافير الصباحية إلى العربية، فهذه العصافير تقول كلاماً سرياً ومثيراً، ومن الخطأ الغفلة عما تقول وكأنه لا يعنينا .




ذلك، على الأقل، يمنع، بشكل قاطع، الإشاعات المغرضة كتلك التي يحملها هذا السؤال غير البريء: ترى لماذا تتكدس العصافير على أسلاك التلفونات؟




لهذه الإشاعة وسواها أن تأخذ مداها، فنحن لا نعرف بعد ماذا تقول العصافير، خصوصاً عصافير الأسلاك .




ولا نعرف ماذا تقول عصافير النوافذ . . نسمعها وننصت إليها، لكن الشكل فقط يعنينا، أما المعنى فلا يعنينا من بعيد أو قريب، وهذا غريب وعجيب .




فمن يحاول التقدم والتفسير؟




ليس موضوعاً مهماً بحيث تحك له الرؤوس والأدمغة، وليس موضوعاً تافهاً حتى نسد الآذان ونغمض العيون . الديكة توقظنا منذ الأزل، والعصافير تغرد، والبوم ينعق، وهنالك أيضاً هديل الحمام، فماذا تريد الطيور أن تقول .




لقد قال هدهد النبي سليمان عليه السلام كلاماً مهماً مازلنا نردده إلى اليوم، فماذا تقول الطيور على مرور الأيام واختلاف العهود والقرون؟




هذا موضوع اليوم أصلاً، لكن الفجأة قد تحمل مفاجآتها، ففجأة، قال شاعر تائه في صحرائه منذ زمن غابر، إنه لا داعي لمعرفة العصافير عن قرب، أو محاولة تفسير إشاراتها وتغاريدها .




قال الجمهور: دعكم منه، فهذا الشاعر بالتحديد من أنصار الغموض . لنتفق أولاً، وهذا غير ممكن، على ما يقول، حتى نتقدم خطوة إلى معرفة أسرار الحمائم والعصافير .




وقال الجمهور متحدياً: هذا الشاعر نفسه لا يعرف معنى ما يقول .




قال الشاعر الغامض:




آه لو تمضي سنوات العمر وأنا غافل أو نائم . آه لو تمضي سنوات العمر وأنا لاهٍ عنها بجمع الطوابع وحل الكلمات المتقاطعة . آه لو أستطيع أن أزيح ركام السنوات عن أهداب عينيّ وأصل سريعاً إلى غد سحيق أجلس فيه جنب الموقد وحولي عدد من أحفادي، بينما الأحفاد الآخرون منهمكون في جمع المزيد من الأغصان .