|
|
كتابة بلا طقوس
مقال الاستاذ / خيــري منصـور
دار الخليج
قد لا يعبأ كثير من الناس بما يسمى طقوس الكتابة، لكن هناك من يرون أن لهذه العادات التي قد تبدو غريبة مفعولاً سحرياً، لأنها تتحول بمرور الوقت إلى محفّزات عضوية رغم أن منبعها نفسي، ويقال عن شيلر إنه لم يكن يستطيع الكتابة إلا إذا وضع تفاحة تحت وسادته وتركها لبضعة أيام كي توشك على التعفن، وهناك كاتبة مسرحية أوروبية اقترنت أفضل لحظات الكتابة بالنسبة إليها مع رائحة روث الخيول في الاسطبلات لأسباب تتعلق بطفولتها، والأغرب من هؤلاء هو أرنست همنجواي الذي لم يكن يستطيع الكتابة إلا في حجرة واسعة، أرضها وجدرانها مُغطاة بجلود الحيوانات التي اصطادها بنفسه ومنها فهود ونمور وأسود، ويضع أمامه حزمة من أقلام الرصاص التي تتلاشى تباعاً أثناء الكتابة، فالقلم الخشبي كما يقول يشبه الشمعة كلاهما يتلاشى من أجل النور . ويرى الناقد والشاعر ستيفن سبندر أن وهم العادات والطقوس يتحول بالإدمان إلى قوة فعلية، تماماً كما أن بعض الفلاحين يظنون أن غناءهم أثناء العمل يضاعف المحصول، والحقيقة أن ما يضاعف المحصول ليس الغناء بل الحماس الجسدي الذي يقترن به .
إنها أوهام قابلة للتحول إلى حقائق . وحين كتب الروائي والقاص العراقي محمد خضير تحت عنوان “الكتابة في درجة 45 مئوية”، لم يكن يرد على كتاب شهير لبارت يحمل عنوان الكتابة في درجة الصفر، لكنه كان يعني مدينة البصرة في جنوب العراق حيث الحرارة تصل إلى مثل هذه الدرجة مصحوبة بقدر أعلى من الرطوبة .
ومقابل الكاتب البصري يكتب شاعر من الإسكيمو مثلاً عن تجربته داخل بيت من الجليد، حيث الخزانة أيضاً من جليد وكذلك المكتبة والسرير والرفوف .
وما أعنيه بالكتابة فجراً ليس المقصود به شروق الشمس أو الشفق، بل آخر ما تبقى من الليل، الليل الذي كان الشاعر ريلكه يسند خده الأبيض على خده الأسود ويشكو له من زمانه، وهو الليل ذاته الذي كان يشكو من طوله شعراؤنا القدامى بدءاً من أمرىء القيس، لأنه كموج البحر أرخى سدوله، ولا ينجلي .
بالطبع لم يكن لدى هؤلاء في بيوتهم قبل قرون أجهزة تلفزيون وستالايت وكمبيوتر، حتى الكهرباء لم تكن اخترعت، لهذا استطال الليل ولم يفرح بطوله إلا اللصوص وقاطعو الطريق، أما العشاق والشعراء فقد كانوا ينتظرون الفجر، لهذا اقترن الشفق بالحرية وكل ما هو نقيض الظلام والسجن والحصار، وحين فرضت سلطات الاحتلال على الشاعر محمود درويش في صِباه الكَرْملي منع التجول ليلاً كتب مقالة قال فيها إن الغزاة يدركون علاقة النهار بالأقدام الحافية الحرة وإنهم ربطوا بين قدميه والشمس، فمنعوا بعد ذلك تجواله نهاراً .
أما من يسخرون من طقوس الكتابة وعاداتها فإن عليهم أن يجربوا لبعض الوقت اقتران لحظات الكتابة بوقت ما أو برائحة ما أو بصوت ما، وعليهم أيضاً أن يتذكروا بأن الروائي الفرنسي مارسيل بروست كتب واحدة من أعظم روايات العالم بعد أن انفجر تحت لسانه طعم الكعكة المغموسة بالشاي، لأن هذه النكهة التي جاءت من أقصى الطفولة فجرت فيه كل ما قاله عن الفردوس المفقود .