|
|
لا يبدأ العمر أصلاً
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
امنح نفسك فرصة . لتكن، كما هي العادة دائماً، الفرصة الأخيرة . الفرصة التي ما أن تنتهي حتى تبدأ من جديد، وكأنها تمتلك، من داخلها، زهو ديمومتها، ووقود بقائها حاضرة في عمر التجدد والتوقر . اغتنم فرصتك الأخيرة . عد فيها، من خلالها، إلى نفسك، وادخل في المراجعة قوياً وواثقاً . هذه فرصتك الأخيرة فلا تضيعها .
حاول أن تتعلم أكثر . أن تكتسب خبرة جديدة . أن تتعلم لغة جديدة . أضف إلى قاموسك كل يوم عدة كلمات من لغات الآخرين أو من لغتك . من عربيتك هذه التي بدأت تضيق بك وتضيق بها .
عد إلى دروس النحو الأولى . ضع الفاعل في مكانه وكذلك المفعول به . ضع حرف الجر في مكانه وانهض إلى تفعيله . قل علامات الإعراب في ثقة، وقبلها، قل علامات إعرابك أنت .
علامات إعرابك الخاصة، وكن الفاعل أبداً . تجاوز كل ظرف زمان وظرف مكان، وانهض إلى عناوينك الأثيرة . حققها بمفردك، وبمساعدة الآخرين، فالحياة محبة وتعاون وجموح لا يهدأ . الحياة مقاومة الروتين والموت . الحياة صعود إلى كل مكان صعب . الحياة هي بالضبط عدم الامتناع، حتى في حضرة الموت، عن إثارة أسئلة الحياة .
يبدأ العمر دائماً كل يوم، بل كل ساعة .
يبدأ العمر في اللحظة الماجنة . . ولا يبدأ العمر أصلاً سوى في التداعي . يبدأ العمر في اللحظة المستديرة . في لحظة المطر المر . لا يبدأ العمر العمر أصلاً، ولا يتراقص إلا على جثث تتهامس، ليلتها ليتها، فمتى نتقدم في لغة أو دم؟
الظنون موائدنا، فهل نتقدم في لغة أو دمٍ؟
وكان فعل الأمر مازال معلقاً في الهواء كالمشنقة، فيما ظل الفعل الماضي مبنياً على الفتح، وعلى يقظة عالقة في الرأس من أثر الليلة الماضية . الفعل المضارع هو الذي يحدث فقط في زمن يلتفت الآن، في هذه اللحظة، إلى طلل، ويذهب إلى صحرائه وكأنه شاهد قبر صغير .
ولست الوسط .
أنا أول النعي، آخره، عصب الامتداد، انتحار القرى، لفتة العاصفة .
وأيضاً، في لحظة العمر التي لا تبدأ أصلاً، تتداخل الخيوط وتتقاطع الأخيلة:
هذا رحيق دمي يعسكر في عروق الجن، فلتتسلقوا هذي الكريات القتيلة . لن أغامر بالرحيل، فقد مللت تقلب الأجواء . لن أستنشق الموت الذي ما فيه من الموت الذي ما فيه من موت سوى اللفظ المحنط . لن أهادن واحتمال الحب يشغلني عن العشب البريء . .
. . هذا دمي يفنى ولا أفنى، وأنزف وهو يثريني فلا ترتاح أوردتي من العيش البطيء .