جون غرينليف ويتيير
احتراق الحطب العائم

(1807-1892)








أمام نار حطبي أجلس،
وأرى، مع كل حطبة سائبة أحرقها،
أحلاماً وأوهاماً ماضيةً تلونها،
وأشباح الجهالة الشاردة تعود.

يا سفني السريعة الجؤجؤ
التي شقّت البحر المسحور،
هل هذه الشرارات الضئيلة وحدها
باقية من أمنيات باطلة وآمال خابت؟

ألم أراقب منها نور الغروب
فوق أبراجي في إسبانيا،
وتلحّ لي، من بعيد،
الجزر السعيدة التي قد لا أبلغها؟

هل انقشاعةُ سحابةٍ مفاجئة تكشف
أودية الغناء والربيع في أركاديا؟
وهل اجتزت بسفينة متهادية
الصخور حيث السيرينات تغني؟

ألم أنجرف بجهد
فوق المناطق المجهولة، المحجوبة عن الإنسان،
وفوق خيام برستر جون المنصوبة من غيوم،
وفوق قبب قصر قبلاي خان؟

هل هبّت رياح الأرض من زهور ياسمين،
حيث يملأ الشباب النبع الذي لا ينضب؟
وهل نشأ الحب من عرائش ورد متطايرة،
والذهب من تلال إلدورادو؟

وا أسفاه! إن السفن البهية التي أرسلت
في رحلة مغامرةٍ عمياء
قد أخفقت، كيفما حطّت مراسيها،
في بلوغ مرفأ الطمأنينة.

من كل مغامراتي، وحدها المغامرات
التي رافقني فيها الحب وسار بها بأمان،
بحثت فيها عن خيرٍ يعدو خيري،
تقوده عين الواجب الثاقبة.

أيها البحارة، لا تزالون تأملون
أن يحالفكم الحظ كالمسافرين العرب،
لتجدوا في شارع بغداد المقمر
هارون الرشيد لم يبرح ماشياً.

خذوا معكم، على بحر أحلامكم،
الأوهام الجميلة والمستحبة، العزيزة على الشباب.
أتغاضى عن كل ما يتراءى للنظر،
ناشداً أراضي الحقيقة الوثيقة.

لا يهمّ إن لم يكن الشهر أيار،
وإن طارت الطيور وتعرّت الأشجار!
ولا يهمّ أن يظلم النهار القصير،
أو يهبّ أشد برودةً هواء الشتاء!

فليطعم حطام الهوى والأماني،
والقصور التي لم أعاود بناءها،
نار حطبي بما يلائم؛
وليدفئ اليدين اللتين أقرسهما العمر.

من كل ما اندثر مع سفني
أعلم فقط أن الأفضل باقٍ.
على شفتي أغنية ثناء
للخسائر التي هي اليوم غنائمي.

تكوّمي عاليةً، يا أرض موقدي! فما من قيّمٍ بضائع؛
ليس من حكمةٍ مع الجهالة تموت.
إحترقي، أيتها الشذرات الشحيحة،
فمحرقتك ستغدو قربان مسائي!

أبعد بكثير من كل ما جرؤت أن أحلم به،
أرى، أمام بابي، عجائب العالم العظيمة
المجهولة، مقبلةً نحوي
على أجنحةٍ من نارٍ وجيادٍ من بخار؛

وأرى دلائل قدسيةً، محجوبةً من قبل،
لحب ينشد أو قوةٍ تخلص،ـ
إنصافاً للفقير المظلوم،
الإنسان المترقي من العبد.

والحياة لم تعد حظاً وقدراً،
وسالمة برأفة الخالق.
أطوي يدين جدّ متعبتين،
وأنتظر الخير باقتناع تام.

وسيكون قيّماً زمن الانتظار،
على قصر أيامه المنعمة عليه أو طولها،
إذا جلس الإيمان والأمل والإحسان
بقرب لهيب موقدي المسائي.

ومعها يجلس أصدقاء استبقتهم السماء أحياءً،
وعزّى قلبي حبّهم،
شاركوني كل أفراحي، وشاركوني
ذكرياتي الرقيقة للموتى،ـ

أيتها الأرواح العزيزة التي تركتنا هنا وحيدين،
مسافرةً في رحلتها الطويلة الأخيرة،
والتي ندنو منها يوماً اثر يوم،
حيثما لكل سفينة فسحة للإبحار.

أعرف رتابة المياه المهيبة
وهي تناديني؛
أعلم من أين تهبّ الأهواء
التي تهمس بالبحر الأبدي.

بينما نيران حطبي تخبو،
أسمع الأصوات العميقة لذلك البحر تعلو،
وأتبيّن فيها جزر السلام في ضوء المساء
مغمورةً بالضباب، جميلة.




ترجمة مرسيل الشاويش شعشع
* النهار اللبنانية