|
|
لحظة صمت
مقال حسن مدن
دار الخليج
في الذكرى الثانية والستين للنكبة نحتاج إلى لحظة صمت، والصمت يحتاج إلى من يعرف معناه، حين يكون مدخلاً للتأمل في مرايا الحاضر، تلك المرايا التي لم تعد تعطينا صورة شفافة لكثرة ما اعتلاها من غبار، وما فتك في جسدها من شروخ .
الصمت هنا ثقافة ضد البيانات والخطب العصماء التي لم تُعِد لاجئاً إلى أرضه، ولم تأخذ حقاً من سالبه، ولم تُرق سوى الحبر في الوقت الذي ما زالت تراق فيه الدماء هناك، في تلك البقعة العزيزة التي سطرت العرب فيها القصائد، ولم تجد وسيلة لتسطر من خلالها واقعاً آخر غير الهراء الذي يحدث بمباركة العالم المتمدن .
إذاً دعونا نحتكم إلى الصمت، نسأله أن يمحو كل الكلمات التي قلناها من دون أن نعنيها، وأن يضع حداً لضجيج الأصوات الفارغة، وأن يمنحنا فرصة لرؤية المشهد من زوايا جديدة، غير تلك التي تحكمها الانفعالات التي تُخمد نارها في لحظة اللحظة .
علَّ الصمت يُخجل قليلاً الذوات المنتفخة، ويرتب لنا مع أنفسنا موعداً للبوح من دون بكائيات، ولكن بكلام ذي قيمة، بكلام لا يستهلك كغيره مع أول هبة ريح من الشمال، ذاك الشمال أو الغرب، لا فرق فحين نحتكم إلى الصمت سنعرف تماماً جهة الريح، وقيمة البوح، ومعنى الموقف، ومعنى أن يكون للمقال مقام .
تجمل أيها اللسان بالصمت
الصمت ذاكرة
الصمت قبل الكلام ويبقى بعده .
في الذكرى الثانية والستين لنكبة فلسطين نحتاج إلى غضب الصمت، إلى عنفوانه، إلى صدقه في مكاشفة الذات، تلك الصفات التي تشكل ثقافة وفكراً لطالما أنكرنا أهميتهما في مراجعة التاريخ، القديم قبل المعاصر، ففي الصمت ضوء قنديل يفضح الظلام .
كان ابن رشد يبحث عن كتب الفلاسفة اليونانيين وهو ممسك بالفانوس في ظلمة ليلته الأخيرة في قرطبة قبل نفيه إلى أليسانة، لم يكن ينوي أن يأخذ معه إلى منفاه سوى الكتب، التي كانت نوره في ظلمات عروس المدن “قرطبة”، تلك الظلمات التي أنتجها التصور الأحادي للمنطق، والذي رفضه ابن رشد بشدة، وناضل من أجل التنوع والتعدد الفكري، ولم يكن أمامه سوى الصمت في ظل الأصوات التي تعالت من أجل نفيه، وكان مدركاً بأن زمناً طويلا من الصمت والظلمات قادم، وهو ما حدث فعلاً .
نحتاج حقيقة إلى المعرفة، إلى نقد لا تؤثر فيه الانفعالات، ولا لغة الخطابة، إلى فكر يُنتج بصمت وتأمل بعيداً عن صخب الحدث المباشر، حتى نعرف لماذا مرّ اثنان وستون عاما ولم يستطع العرب أن يحصدوا سوى الخيبات، وسوى انعدام ثقة المواطن العادي بالكلمات الرنانة، وإلى صيحاته التي لا تخرج من فمه والتي يريدها أن تقول : كفوا عن الكلام، نحتاج للصمت قليلا .