"وحي الذبول" لمريم الرميثي و"جاءت تحمله" لوفاء الحمري
تعليق: زينب عيسى الياسي

...
..
.


الذبـــول

قصة: مريم الرميثي





ذاك يترصدني أحنيت دمي كي تمر أعاصيره من ثقب قلبي إلى فضاء تعبث به النيران

احترق سعف النخيل الباسق

متى سأدخل . . وتتصاعد أنفاسي؟

قالت ليّ: حان الموعد


إنها تطلبني، اختبأ الدمع في أخيلة المآتم، أمشي بمهل حتى أصل لتلك النافذة . من الجانب الآخر أبي وأمي، أبي يتعكز على عصا خشبية، بينما أمي تتلمس سطح الزجاج ويدها ترتجف مشبعة بالألم والمرض . اشتعل الزجاج ناراً شعرت بحرارة الزجاج وأنفاسها الكاوية في دواخلها، كاد يفقدها قوتها فجلست على المقعد الخشبي، حاول أبي رفع صوته كي يُخفي عذاباته .

في واقع . . .


يلهث الجرح لفرط ما انحدر دون منديل يلتقط ثقله فيطرق رأسه بالأرض المحمومة . . تفتح مثل جوع أنهكته الريح المارقة على الطريق . . يسقط من وهدَة الظل المذاب على الصدر . . . . يزفر ويزفر . .


في ذات الدار التي يُبرعم جفافها ثمرة من صلب الصباح . .!


يوماً تلو يوم يتفتق فجرها عن وجه طفل ترسمه بكل خيال جميل . يا أبي رأيتها كم تبتسم كطير يتأهب للتحليق من عُشه! مدت كفيها تُريد احتضاني وتقبيلي وأكثر من ذلك، مدتها فعاثت بالزجاج . خرست حواسها لا تتكلم ملامحها، بُثرت ابتسامتها .


طويت ألمي وتأوهت من دمع ولم أرفع عيني عن الأرض، تذكرت الطفل الصغير، غشيني سؤال أبي: هل أخبرت زوجتك بوجودك في الحَجْر الصحي .


أعاد السؤال: هل أخبرتها بقدومك لزيارتنا؟


قناديل تلك “نعم” حين تسعى على لساني، تبدو أوتاراً فردوسية أتقنت فنها، رغم أن حرارتها تلسع مساماتي، تجاهلت نظرة الاستنكار التي أصابتني ساعتها من الممرض الواقف على رأسهما . راح يُؤشر على ساعته . وحيُ الذبول قد تسربل في الجذور . نهضا ببطء من مقعديهما . . تأهبا للمسير وتشابكت أيديهما .


تصلبت نظراتي نحوهما لوحَتُ بيدي مُودعاً ترتعش على تلويحه شفق الأغصان، وتعربد فيها النداءات ولجة الانتظار .


من يا ترى اغتال الدموع الساقطة على الفؤاد وأخرسه؟ من داس على القلب بأحذية المحن فكُسر واحتواه الدفء فانصهر؟


ذاك المساء . . كان الصغير في المنزل يلعب . . يجري في أركان الدار .


تتراشق ضحكاته لتصفق باب الغرفة المقفل . . يدفعه ويعد دفعه . . لم يُفتح فيقول: سأكسره! حتماً سأكسره يوماً . لم أتألم لكنه مؤلم وإن لم تكسره يا ابني .


رمزية “وحي الذبول”


إن نص (وحي الذبول) للقاصة مريم الرميثي فيه من الرمزية واللغة الشاعرية ما يعد أمراً ملاحظاً، ولعل منشأ هذه الرمزية والشاعرية يعود إلى أمرين:


أولهما: حساسية الموضوع وثانيهما: ألم هذه التجربة الواقعية، فالحجر الصحي وشعور العزلة عن أقرب الناس (الأم والأب) جعل من الرمزية نقطة ارتكاز واضحة لتطور الفعل الحدثي في النص، كما هيأت اللغة الشاعرية الموشاة بالرمزية مجالاً خصباً للخوض في ذوات وشخوص النص، فتقول:


(اختبأ الدمع في أخيلة المآتم)

وتقول: (يلهث الجرح لفرط ما انحدر دون منديل يلتقط ثقله)

وتقول: (نعم، حين تسعى على لساني، تبدو أوتاراً فردوسية أتقنت فنها . .)


لقد عدّت المعاناة من جراء الحجر الصحي وحالة الانفصال عن مفردات الدفء الأسري هي بؤرة الضوء التي سلطت القاصة عليها ضوءها، فنقلت مشاعر الدفء المفقود الذي لا يمكن نيله إلا من خلف زجاج يسري فيه الدفء حتى يستشري فيصير كاوياً، مشتعلاً .


في غمرة هذه الرمزية استشرى شيء من التهويم، فرسم الحيرة في ذهن المتلقي كما هو حال شخوص النص يحتويها الذهول والذبول .


إن الاشتغال المتأني على النص السردي - بشكل عام - والقصصي - بشكل خاص - على أساس أنه فن الموقف الأحادي سيسهم في ارتقاء نصوص القاصة في مرحلة مقبلة، ويسهم في تجاوز مرحلة التأزم في التعبير الحر إلى مرحلة وعي بأن الرمزية والشاعرية من الممكن ضخهما في النص بشكل يعطي ثراء ودفقاً حدثياً مطوراً للقصة القصيرة، وهذا ما تمتلك القاصة مقوماته .


وجاءت تحمله

شعر: وفاء الحمري


يسكنني وهم الهبوب حين انشطاري

ويشطرني حين يهب ألف ألف رقعة

عليها ألف قطعة من لحن أشعاري

نبهتُ أربعها أني في الوجهات مجرد ريح

تصد الريح عن أسواري

وأوهمتها أني طائر روحه ممزوجة بقذى أعفاري

ومضيت أضرب الريح بالريح

وأبث في الحاضرين بعض أشعاري

و . . . .

جنحت أقصى أقصى خوفي

وتسللت خلسة

وتسمرت عند أول إنذار

وتابعت هبوبي . . .

وجهتي حنيني

ونزر من بقايا يقيني

و . . .

نزقت حين غفلة ولاعبت المدى بحروفي

وصمتُ ثلاث ليال وجئت بوليدي أداري

وتلقفتني العيون والأسماع ملء الأسماع

وبعضي من بعضي

يفلّ الخبء من بقايا أسمال

رقعت ثقوبها بعلمي وقراري

و . . . .

. . .تجاذبتني الفلول بعضها حُر

وبعضها محض جواري

و . . .

أتيتهم أحمل جريرتي والصوم لغتي

والإشارة غطائي ودثاري

وقالوا:

ما كان أبوك امرأ بوح وما كانت أمك عاشقة العار

اهبطي سهلاً وارعي بطن الوادي

و . . .

وجدت فيها بعضا من صدى بوحي

وبعضا من صمتي . . .

وانزويت أراهن على جيادي

ظلي ركن الماضي ومنتهى بعادي

وانقش علامات الخضرة في ربيع اخضراري

وجدتها متاهات تضرب متاهات

وتعلن في المدى عاري

وسابقتُ بعضي . . .

وعند خط الوصال

رأيتها ناراً تتوضأ بمائي

وتعلن خبر انكساري

و . . . .

مضيت أجتر انتكاساتي وأعلن للريح اختياري

أنا امرأة تهوى الغواية وتمتهن خيال الحكاية

وتعلن للعابرين أسرار الحواري . . .

والجواري . . .

. .راسيات حول قطب النشوة

تبحر بركب الشهوة وتمني الكون بخصبٍ

لا شرقي ولا غربي

يُنبت الحب والنوى

وتنفلت من شمال الكون صرخة

تعلن للكون لحني

وتفسر للعازفين سر أوتاري

و . . .

مضيت أجتر خيالاتي

وأمتهن أسراري

ووليدي بين صلبي ووريدي

يصرخ فيهم وهم يتغامزون حولي:

إن القوم قد أجمعوا فاضربوا العار بالنار

و . . .

مضيت أحمل أشيائي

وأصرخ في القوم

يا قوم:

إني ما كنت بغيا

وما كنتني يوماً أنشودة سوء

وما كنت بدعا من أسراري

رأيتهم يرجمون صمتي

ويكلمون وليدي بغير لغتي

ويحكمون بقرطاس العار

و . . .

تركتهم وحملت وليدي

ألوي على شيئي وأجتر بعضي

وأشرب نخب أضراري

وهببتُ إعصاراً بارز الإثم

وسقتُ في الواهمين إعصاري

فإذا بالحشود حولي تندفع

وتقول اقتلوا ذا الساري

وجذوة تحرق بعضي وتوقدُ

شرارتي وتلهب ضرام ناري

و . . .

فررت منهم والصمت

رفيقي والإشارة بقايا آثاري

ونبهت حروفي عن هبوبٍ

وأقفلت بقايا أقطاري

وما كان دعواهم إذ انتكسوا

إلا أن زلزلهم فيض

من صدى صبري

وعنفوان إصراري


تعليق على قصيدة

“وجاءت تحمله”


هذه التجربة الشعرية الجديدة فيها من المرتكزات الجميلة ما يجعل من هذا النص بداية موفقة وتجربة واعدة لصوت أنثوي يسعى بخطوات متحفزة للانسلاخ من عالم الخوف الأنثوي، حيث تهب الرياح على مرابعها البكر، تشطرها، تحاول بعثرة معانيها، حروفها، ولكن ذاتها المتوقدة ترفض إلا أن تبث بعضاً من روحها:


(ومضيت أضرب الريح بالريح

وأبث في الحاضرين أشعاري . .)


إن هذا الانشطار عن عالم الخوف الأنثوي، وشته الشاعرة بمفردات فيها من الماضوية الكثير، مما يدل على أنها تريد أن تنقل إحساساً مر بها يوماً فكانت لها هذه المواجهة معه، فتحكي عن تجربة الرفض ومحاولة إخماد صوت الأنثى، فتقول:


(جنحت أقصى أقصى خوفي

وتسللت خلسة

وتسمّرت عند أول إنذار



وتابعت هبوبي . .)


فهي من خلال الفعل الماضي تبث النص خطواتها نحو البوح، نحو الصوت المشهر عبر المدى شعراً:


(أنا امرأة تهوى الغواية

وتمتهن خيال الحكاية . .)


إن حكاية هذا الخوف الأنثوي ومحاولة وأد البوح، جعلتا الشاعرة تقتنص شخصية من عمق التاريخ ألا وهي السيدة مريم العذراء، وتتناص معها في تجربة فريدة، هي تجربة (الذنب):





(أتيتهم أحمل جريرتي والصوم لغتي

والإشارة غطائي ودثاري

وقالوا:

ما كان أبوك امرأ بوح وما كانت أمك عاشقة العار . .)

ثم تعاون التناص مع شخصية العذراء فتقول:

(مضيت أجتر خيالاتي

وأمتهن أسراري

ووليدي بين صلبي ووريدي . .)


ومن ثم تكمل حكاية التناص في الأفعال (فعل السيدة مريم بفعل الشاعرة)، فتقول:


(يا قوم

إني ما كنت بغياً وما كنتني يوماً أنشودة سوء)


إن ثيمتي الأفعال الماضية والتناص الفعلي في هذه التجربة الشعرية امتلكتا زمام المبادرة إلى النص، وبهما من السهل جذب المتلقي إلى غواية النص وبوحه، وهذا مما يبشر بقدوم تجربة شعرية إلى الساحة الأدبية إن هي واظبت على الحفر في مفرداتها وإيقاعها الشعري بشكل متأن .

* الملحق الثقافي
* دار الخليج