|
|
في ذكرى رحيل سعد الله ونوس:تجربة سورية تجادل العالم
د.علي محمد سليمان: منذ رحيل المبدع السوري سعد الله ونوس في الخامس عشر من أيار عام 1997
اكتملت تحولات عديدة في عالمنا كان المسرحي المثقف مشغولاً بقراءتها في سنواته الأخيرة.
وبعد غياب سعد الله ونوس، وبعد أن استبدلوا غواية العنوان الشهير»نهاية التاريخ والإنسان الأخير» بغواية عنوان جديد «عودة التاريخ ونهاية الأحلام»،
قرأ العديدون عملية التجميل اللغوية هذه على أنها مؤشر على تحول عميق في الفكر المعاصر، وخصوصاً ذلك المؤسس لثقافة النخبة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. وبين العنوانين أكثر من عقد ونصف من الزمان المضطرب بفوضى الكلمات وغواية العناوين السهلة. بينهما حروب وأعماراحترقت بنبوءات النهايات وأحلام بددها شبح الإنسان الأخير.
يعرف الجميع قصة العنوان الأول الذي اصطاده فرانسيس فوكاياما عام 1992 من لحظة غامضة اختلطت فيها نشوة النصر بصلف وبخفة لا يتقنها عادة سوى المثقفين. وهكذا انتهى التاريخ بجرة قلم! وانتهى التاريخ، ليس لأن السيد فوكاياما كان شاهد عيان على موته ودفنه، بل لأن معظم من علق عنوان الكتاب قلادة على صدره ومعظم من شارك في دفع ثمن ثقافة «الإنسان الأخير» طواعية أو إكراهاً، لم يقرأ في حقيقة الأمر متن الكتاب، بل اكتفى بالاطمئنان إلى غواية العنوان.
أما العنوان الثاني الذي قلب فيه المفكر السياسي الأمريكي المحافظ روبرت كيغن العنوان الأول رأساً على عقب عام 2008 فقد قرأه العديد ممن قرأ وممن لم يقرأ الكتاب الجديد على أنه مؤشر آخر لتحول عميق جديد في الفكر والاتجاهات!! ومرة أخرى نحن أمام نهاية جديدة، للأحلام هذه المرة! وكثير من المثقفين العرب لم يفهموا للأسف اللعبة بعد. لم يفهموا لعبة العناوين وتجارتها التي أودت بالكثير من فرص الحياة وقلصت مساحات الوجود أمام أطفالنا الذين لا يزالون يمارسون عادات الإنسان القديمة في الحلم ورواية الحكايات.
كان سعد الله ونوس من المثقفين العرب الأوئل الذين انتبهو إلى غواية العناوين السهلة، وكان عليه أن يبدع خطاباً مغايراً للسائد ومشاكساً للمخيلة الجمعية وللثقافة السياسية التي استكانت لحظتها لخدر تلك العناوين.
كانت التجربة الإبداعية والإنسانية لونوس في هذه اللحظة مغامرة يتلاشى فيها السياسي القامع ويتضاءل الأيديولوجي والجمعي، لينتفض الجسد فرداً ينجز لحظة حداثة لا تتكرر. الموت يزيح السياسي ويهمش السلطوي.. ووعي الموت الوشيك هو العامل الجوهري وراء كتابة سيرة الذات كما يقول جيمس أولني وهو دائماً ترميز درامي لحياة المبدع. وبكلمات ييتس «كل فنان حقيقي هو مبدع لتلك اللحظة العظيمة». كيف يكتب الفنان نصه في تلك اللحظة الرجراجة كما وصفها سعد الله ونوس؟ هي اللحظة التي حدق فيها المبدع السوري بجسارة في حال انحطاط وتداعي مشروع الحداثة العربية، وهي اللحظة ذاتها التي فيها كان على المبدع المحتضر جسداً أن ينتفض في انعتاق فريد لا يمنحه إلا تجربة الموت ليجترح حداثة خطابه الجديد. فكيف يمكن للموت أن يكون لحظة حداثة؟!
سؤال كبير و ملتبس يحمل كل ما في التجربة الفنية والثقافية للراحل سعد الله ونوس من طموح وشغف بالمعرفة وبالحرية. ولكن هل ما زال هذا السؤال راهناً؟
تمضي السنوات، وفي كل عام يفاجئني هذا السؤال براهنيته وبعمقه. وها هي الذكرى الثالثة عشرة لرحيل كاتبنا تجعل من الخامس عشر من أيار يوم الأسئلة الكبرى التي التقت في لحظة واحدة كثفت مصائر جمعية وأخرى فردية. في اللحظة هذه يكتمل معنى نكبة الجماعة ويستمر في حياة الفرد. لكن الفرد المبدع يجترح مبادرة أخيرة في إنجاز حداثته والتمرد على وهم قدرية وحتمية نكبة الجماعة.
تتجلى الأهمية الخاصة لكتابات ونوس في أنها شكلت إضافة ومشاركة من مبدع عربي في مواجهة الشرط الثقافي الكوني الجديد. يصف المفكر «هومي بابا» هذا الشرط بأن «السؤال الثقافي أصبح اليوم بالنسبة إلى كل مبدعي العالم يتجسد في فضاءات النهاية والما بعد. ففي نهاية القرن العشرين أصبحنا محكومين بمصطلحات النهايات ورغبة التجاوز. كأن وجودنا اليوم مشروط بتلك الرغبة الغامضة بالنجاة والتجاوز ونحن نعيش على حدود الحاضر حيث لا توجد تسمية مناسبة لهذا الشرط غير تلك البادئة الإشكالية «الما بعد»، ما بعد الحداثة، ما بعد الكولونيالية، ما بعد الرأسمالية، ما بعد..»
وهنا تتجلى خصوصية ومشكلة المبدع العربي في مواجهة هذا الواقع الثقافي الكوني الجديد. فإذا كان المبدع والمثقف في الغرب قد توفر له سياق نظري وثقافي للتعبير عن أزمته وإحساسه بنهايات حقبة وبدايات أخرى من خلال النظريات التي عبرت عن نفسها ببادئة الما بعد، فإن المثقف والمبدع العربي يبدو مفتقداً لهذا الترف.
ففي واقع ثقافة متداعية وإحساس عميق بالأزمة وبنهايات عصر وبداية آخر كان على مبدع كسعد الله ونوس أن يواجه التحول دون مرجعية ثقافية أو نظرية يمكن لها أن توفر أفقاً أو معنى ما للنهايات كما هو الحال في وضع المبدع الغربي.
واجه سعد الله ونوس من بشر بموت السرديات الكبرى وبنهاية التاريخ. فهو الذي أصر على أن ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ.
إذا كانت نظريات نهاية التاريخ وموت السرديات الكبرى وتحول العالم إلى كائن إفتراضي من اللغة والصور هو تهويمات نظرية تدفع بعض المثقفين للتحلل من مسؤولياتهم التاريخية ومن القيم العظيمة للحداثة كالحرية والديمقراطية ومسؤولية الإنسان عن مصيره، كما أشار الراحل إدوارد سعيد، فإن سعد الله ونوس كان من الجرأة والحرية بحيث رفض تلك التهويمات ورصد التغيرات العميقة التي أفرزتها.
* الثــورة الســوريـــة