الخليج الثقافي
شعراء الإمارات في قلب الرأي والرأيالآخر
القصيدة الموزونة
وقصيدة النثر فيالميزان
* * *
* *
*
[align=justify]
تعتبر قصيدة النثر كشكل شعري من أول الظواهر التي استجابت لموجة الحداثة في الوطن العربي التي برزت بشكل جلي في منتصف خمسينات القرن الفائت .
وبعدها بقليل انتشرت قصيدة النثر التي يعود تاريخها عربياً الى ثلاثينات القرن الفائت على يد بضعة رواد عرب، ثم بظهور مجلة شعر الأدبية التي تبنت هذه القصيدة ذات الأصول الغربية وتوالي عدد من الرموز الأدبية والشعرية في لبنان وسوريا وغيرهما من البلدان العربية على كتابتها، وأصبحت هذه القصيدة حاضرة في المشهد الشعري العربي، لا سيما مع تطور الفنون وتعدد وسائل الاتصال التي استفادت من عالم التشكيل وفنون الصورة وغيرها .
في الإمارات تحضر قصيدة النثر بقوة كما هو حال قصيدة التفعيلة، ومن المدهش في تتبع هذه الظاهرة محلياً هو تلك النسبة المتقاربة في من يكتبون في الشكلين المشار إليهما في الإمارات، ومن اللافت أيضاً أنه لا توجد هناك حساسية مفرطة تجاه شعراء هذا الشكل في مقابل من يتبنون الشكل الآخر، وإن كانت بعض الأصوات تتبنى قصيدة النثر كخيار إبداعي وتدافع عنها باعتبارها الشكل الأكثر رحابة وقوة وديناميكية في كتابة
الشعر، وهناك من يختلفون مع هذا الرأي ويتبنون موقفاً وسطاً بين الاثنين، لا سيما وأنه لا يمكن تتبع الكثير من الفروقات بين الشكلين الشعريين اللذين لا يزالان يعبران بكثافة عن طزاجة المشهد الشعري الإماراتي الذي يتناغم مع نظيره العربي .
في التحقيق التالي يدلي عدد من الشعراء الإماراتيين بدلوهم في هذه المقاربات الشعرية التي تكتسب أهمية استثنائية مع ظهور قصيدة النثر التي لم تتوقف عند حدود كلاسيكيات الطرح الشعري المتعارف عليه، بل ثبت أنها قصيدة معاصرة وشاهدة على تبدلات الزمن المعاصر، كما أنها تقف على تخوم الحداثة وتستجيب لكل مغرياتها، وتتسم بالتوهج الذي يعززه مفهوم الشعر بكل ما يعنيه الأمر من حيوية ومغامرة . في المقابل، برز عدد من شعراء القصيدة الموزونة (الخليلية والتفعيلية) في الإمارات خلال العقود الثلاثة الماضية، وأصروا على هذا الشكل الفني الذي يرون أنّه يحقق إبداعيتهم الشعرية وأنه الأقرب إلى تكوينهم الثقافي .
بعد تراكم شعري موزون ونثري شهدته الساحة الإبداعية في الإمارات رأينا أن نضع هذين الشكلين الشعريين في مرآة الرأي والرأي الآخر .
[/align]
تحقيق: القسم الثقافي : السبت ,22/05/2010م
* * *
* *
*
حبيب الصايغ
[align=justify]
يقول الشاعر حبيب الصايغ: لا يوجد صراع بين شعراء قصيدة النثر وغيرهم من شعراء الأشكال الشعرية الأخرى في الإمارات، فهذا الصراع قد حسم عربيا منذ عقود كثيرة، وقد واجهنا نحن كتّاب قصيدة التفعيلة في الإمارات في السبعينات نقداً لاذعاً ومحاولات إقصاء من بعض أنصار القصيدة التقليدية ناجمة عن كون هؤلاء لم يكونوا على علم وقتها بأن مسألة قصيدة التفعيلة قد حسمت في النقد العربي، والموقف نفسه من الرفض والإقصاء واجهه كتّاب قصيدة النثر في ما بعد، وهذه المواقف كانت تنشأ عن التأخر النسبي الذي كنا نعيشه إزاء حركة الأدب في الوطن العربي، وقد واجهت كل أشكال التعبير الأدبية الحديثة نقدا وعدم قبول عند أول ظهورها، يستوي في ذلك القصة والرواية والمسرحية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لكننا مطمئنون إلى أن كل تلك الصراعات قد حسمت اليوم ولم يعد أي فريق في مقدوره أن يقصي فريقا آخر، كما أن فكرة الإقصاء نفسها لم تعد مقبولة البتة .
ويضيف الصايغ: ربما يكون ما يجرئ الكثيرين على نقد قصيدة النثر والتشكيك فيها هو كثرة أدعيائها، فكثيرون يكتبون نصوصا نثرية كيف ما اتفقت ويقطعونها تقطيعا يحاكي هندسة القصيدة، ويظنون أنهم بذلك قد كتبوا شعرا، في حين أن المسألة ليست في الشكل الهندسي الذي تكتب به القصيدة، بل في وجود موهبة شعرية من عدم وجودها، فإذا وجدت تلك الموهبة وجدت القصيدة أياً كان شكلها، وإذا لم توجد فلن تنفع تقنيات تقطيع الكلام على سطح الورقة بشيء، ولم يكن محمد الماغوط يحتاج إلى تلك التقنيات، فكان يصب نصه صباً مسترسلاً، ومع ذلك كتب قصيدة النثر كأبدع ما يكون .
إن هذه السهولة في ادعاء الشاعرية عن طريق قصيدة النثر هي ما تجعل واحدا مثل منير مزيد يحسب نفسه شاعرا عالميا، ويسعى ليرشح نفسه إلى جائزتي نوبل للأدب والسلام، وما ذاك إلا لغياب النقد الأدبي عن ساحتنا الأدبية وقصوره عن ملاحقة ما ينشر من ادعاءات، ورغم ذلك يبقى الفن الرفيع الصادر عن موهبة فنا رفيعا لا يمكن رده أو قصاؤه أياً كان الشكل الذي كتب فيه، قصيدة خليلية أو تفعيلية أو نثرية، وأنا واحد من الذين كتبوا في الأشكال الثلاثة وبالقوة نفسها ولم أجد في ذلك حرجا، وأذكر أن المرحوم الشاعر سلطان العويس سألني مرة، وكنت لا أزال شاعرا شابا، سؤالا يدل على حس ذكي فقال: هل يوجد من يتذوق الأشكال الشعرية جميعا؟
ويضيف الصايغ: إنه رغم وجود شعراء إماراتيين متميزين في قصيدة النثر إلا أنهم ما يزالون مظلومين في النقد، وفي الحضور الجماهيري والإعلامي وفي المسابقات الأدبية، فلم تفتح بعد أمامهم المسابقات الأدبية وينبغي أن تفتح ويعترف بهم كشعراء على شاكلة زملائهم من شعراء الخليلية أو التفعيلية .
[/align]
تردد
محمد بن حاضر .. كريم معتوق
[align=justify]
ويقول الشاعر محمد بن حاضر: ما زلت مترددا في هذا الوصف، فهل قصيدة النثر توصف نثرا أم شعرا؟ وأنا لست بناقد متخصص متتبع لهذه الحركة إلا أنني من وجهة نظر شخصية أرى أن ما يطلقون عليه “قصيدة النثر” ليس شعرا، وحين أقرأه أجده غامضا مستغلقا في أغلبه، ولا أعرف ما ذا يريد أصحابه به، وحتى لو سلم من الغموض والاستغلاق فإنه لن يعدو أن يكون نصوصا نثرية، وأظن أن كتابة النثر ليست عيبا، وفي تاريخ الأدب العربي وجد كتاب نثر تفوقت كتاباتهم على كثير الشعر، منهم مثلاً الجاحظ وعبد الحميد الكاتب وسعد زغلول وغيرهم كثير، كتابات من النثر الأدبي الجميل الذي يهزك عند قراءته، لكنه نثر ولم يدع أصحابه شاعريته ولم يقلها غيرهم .
ويضيف ابن حاضر: لقد ظهرت في الشعر العربي الحديث حركة تجديدية، قدمت إبداعات شعرية جميلة، واشتهر فيها شعراء كبار مثل السياب ونزار قباني وعبد المعطي حجازي وغيرهم، لكن هؤلاء التزموا بدرجة عالية من الإيقاع المطرب، وكما قال الشاعر:
إذا الشعر لم يطربك عند سماعه فليس جديراً أن يقال له شعر
وأرجّح أن السواد الأعظم من الناس يفهمون الشعر الموزون ويطربون له، لكنهم لا يفهمون هذا الذي يسمى “قصيدة النثر” ولا يطربون له، ولا يعرفون ما الذي يريده أصحابه .
وهو على كل حال فن عند الذين يتعاطونه وأمره يترك إلى النقاد المتخصصين، القادرين على تشريحه الحكم فيه .
* * *
أما الشاعر كريم معتوق فقدم في قصيدة النثر رأيا صادما حيث نفى عنها كليا صفة الشعر، ونفى أن تجاز في الأساس تحت مسمى قصيدة وقال: “لا أنظر إلى ما يكتب تحت مسمى قصيدة النثر على أنه قصائد، لأن “قصيدة” النثر تخرج عما تعارف عليه العرب في تعريفهم للشعر، وارى في تلك الكتابات حالات إبداعية لبعضها قيمة جمالية مهمة، ولكن لا يمكن تصنيفها تحت خانة الشعر، أو كشكل من أشكاله” .
واستند معتوق في رؤيته تلك إلى مجموعة من الأسباب التي يقتبس بعضها من كتاب قصيدة النثر أنفسهم فيقول: “لقد اعترف أدونيس في أحد لقاءاته أنه بعد تجربته الطويلة ليس لديه جمهور، وهو لا يبحث عنه في الأساس، وهو ما يحيل إلى عدم قدرة تلك الأعمال الموصوفة بقصيدة النثر وأصحابها على الوصول إلى الناس، ويرى بعضهم أن ذلك يعود إلى كون “قصيدة النثر” لا تمتلك تاريخا زمنياً طويلاً قياساً إلى الشعر الموزون، وهذا كلام مردود عليه فالفن التشكيلي وفن الكاريكاتير والرواية كلها حديثة نسبيا في المجتمعات العربية، لكنها استطاعت أن تتواصل مع الجمهور، وهو ما تؤكده أعمال فناني الكاريكاتير ناجي العلي، وعلي فرزات التي استطاعت أن تصل إلى شريحة واسعة من الجمهور، وكذلك الرواية، لكن “شعراء” قصيدة النثر لم يتمكنوا من الوصول إلى تلك الشرائح، ووجود مؤتمرات لما يسمى “قصيدة” النثر أو ندوات خاصة بها لا يعطيها الشرعية، أو الحق في أن يعترف بها كشكل شعري” .
أما حول مستقبل قصيدة النثر فيرى معتوق أنها لا تمتلك أي مستقبل ويقول: “انطلاقا من تجربتي في الأمسيات الشعرية أرى أن الحضور القوي لدى الجمهور هو للقصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة، وإذا كان من يكتبون النثر يرون أن هذا الأمر يعود للحضور القوي للشعر الموزون في الذاكرة العربية، لكن هذا الأمر ليس صحيحاً، وهو ما نرد عليه من خلال دخول الكثير من الفنون الحديثة التي أشرنا إليها سابقا، ولم تكن تمتلك أي حضور في الذاكرة والتراث العربيين، لكنها تمكنت من إيجاد مرتكزات حقيقية لها في الواقع، ما جعل تذوقها، والتفاعل معها أمرا طبيعيا، بينما دخلت “قصيدة” النثر في إشكاليات كثيرة أوجدها من يكتبونها، وخاصة الغموض غير المبرر الذي يجعل من تذوقها والتفاعل معها أمرا صعبا بالنسبة إلى المتلقي” .
وحول قلة من يكتبون القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة قياسا إلى من يكتبون قصيدة النثر، رأى معتوق أن هذا الأمر يؤكد ما ذهب إليه في نفيه صفة الشعر عن الكتابات النثرية وقال: “من الطبيعي أن يكون الإبداع عملة نادرة، وهو ما يدلل عليه قلة من يكتبون الشعر الموزون، وهو أمر يعود إلى أن الشعر الموزون يحتاج إلى معرفة عميقة بطبيعة الشعر ذاته- مع أنني لا أعتبر الوزن مقياسا لجودة الشعر- لأن الشعر لا يمكن أن يختزل في الوزن، وإنما يحتوي على مجموعة من العناصر والمكونات التي تمنحه شعريته، وهو أمر غير موجود لدى كتاب “قصيدة” النثر حيث نجد استسهالاً كبيراً للكتابة تحت اسم “قصيدة النثر” وتسمية ما يكتبونه شعرا” .
[/align]
تراجع
أحمد المطروشي / عبد الله الهدية
الهنوف محمد / عبد الله عبد الوهاب
[align=justify]
ويعتبر أحمد المطروشي وهو احد شعراء قصيدة النثر في الإمارات ان هذا السؤال مهم للغاية، حيث تشهد الساحة الشعرية العربية الان تراجعا لكتاب قصيدة التفعيلة الذين توقفوا عند حدود كلاسيكيات الطرح الذي يعتبر امتدادا للنمط الذي ساد في صدر الاسلام وما بعده .
ويشدد المطروشي على ضرورة ان تواكب القصيدة الحديثة هاجس ونبض الزمن المعاصر الذي نخرته الحروب والأمراض والكوارث وأن تكون هذه القصيدة شاهدة على مثل هذه التبدلات المتسارعة، وان تكون بنت الزمان والمكان والبيئة التي تعيشها .
وتوقع المطروشي ان تنحسر موجة قصيدة التفعيلة، ذلك لأن التاريخ يثبت بلا أدنى شك ان قصيدة النثر تشهد رواجاً عالمياً، وهي قصيدة ليست تابعة لأحد ولا تؤمن بالعراقيل والحواجز سواء كانت داخلية أو خارجية، كما انها تتمتع بتقنيات تؤهلها لمحاكاة كل انواع الفنون المعاصرة، فأنت تكتشف فيها عوالم كثيرة من التصوير والتخييل والتشكيل وهي تقف عند تخوم المعاصرة مستفيدة من اللغة وحركيتها ومجمل الافكار والدلالات والرموز التي تتغلغل في تفاصيل التفاصيل، ورأى المطروشي ان قصيدة النثر تتمتع بقدر من المناورة والتمرد ولعبتها هي اللغة والثقافة الحرة التي لا تركن للكسل أو التواطؤ .
* * *
بدوره رأى عبد الله الهدية الذي يكتب الشكلين العمودي والتفعيلة ان قصيدة النثر تشهد توهجا كبيرا في الساحة الشعرية المحلية والعربية وان لا احد يستطيع ان ينكر مثل هذا الألق الذي تمارسه القصيدة الجيدة من هذا النوع التي تحاكي آلام الإنسان وإخفاقاته، وتحمل العديد من القضايا والهموم المعاصرة، فهي قصيدة لا يمكن ترويضها، لكنّ هناك من يستسهل كتابتها، وهم كثر، وقد ساعدتهم وسائل الاعلام على ذلك، فأصبحوا يملأون الساحات والمنابر والفضائيات من دون معرفة حقيقية بامكانات وقدرات هذه القصيدة التي هي أبعد عن الخاطرة والقصة والمغالاة في الغموض والتعمية .
وقال الهدية “ان صعوبة التمييز بين مستوى قصيدة النثر وما يطرح الان من نماذج تكتب باسمها، هو الإخفاق بعينه، فقصيدة النثر لها مقوماتها واسلوبها المتميز والفريد، وأرى انه لكي تتبوأ هذه القصيدة الريادة التي تستحقها ان يكون هناك وضوح في مفهومها ومعالمها وآفاقها حتى لا تتشابك مع الصنوف الابداعية الاخرى، وفي المقابل ان يتسع صدر من يكتبها لتقبل الاشكال الشعرية الأخرى .
وطالب الهدية الشعراء والنقاد بتحديد معنى الحداثة، هل هي شكل فقط أم شكل ومضمون ووضوح في الرؤية والقصد؟
واكد الهدية أن هناك الكثير من الرواد الذين كتبوا هذه القصيدة ولامسوا القضايا والهموم المعاصرة، وان ذلك لا يعني بالضرورة ان كل من كتب سطراً أو هوّم أو أغرق في التعمية هو شاعر قصيدة نثر، فالشعر له اصوله وقواعده وهو لا يقبل القسمة على أي شيء آخر .
* * *
وفي طرح يكاد يتفق مع ما سبق ذكره ترى الشاعرة الهنوف محمد أن مستقبل أي نوع من القصائد مهما كان شكلها، سواء كانت كلاسيكية عمودية أو تفعيلة أو نثراً، مرتبط بالشاعر نفسه، وهو من يقرر متى يكتب الشعر بحسب ثقافته ورؤيته للعالم من حوله وايضا قوة النص الذي يكتبه .
ورأت الهنوف محمد أن القضايا والهموم المعاصرة سواء كانت قومية أو فردية وانسانية بحتة هي مجالات خصبة وميادين متاحة أمام الشعراء كي يبدعوا بالطريقة التي يريدونها وبغض النظر عن شكل القصيدة، فالموضوع أولاً وأخيراً ذو صلة بالابداع الذي ليس حكرا على شاعر في أي زمان ومكان، ذلك كي نفض الاشتباك بين كون شاعر التفعيلة هو شاعر الهموم العامة وان شاعر قصيدة النثر هو شاعر الحركة والنبض المعاصر، هذه وجهة نظر قاصرة، والزمن كفيل باختراع الكثير من الاشكال الابداعية التي تتماشى مع توجهات الحداثة وروحية العصر وتوهجه .
* * *
الشاعر عبد الله عبد الوهاب اتخذ موقفا حاداً ازاء ما يجري في العالم من انقلاب في زاوية النظر إلى الاشياء، ورأى ان الزمن المعاصر الذي تبدلت فيه الجغرافيا وجلس فيه التاريخ مشدوها أمام مفاجآت الهجمة التكنولوجية والمعرفية، فأصبحنا أمام زمان ومكان جديدين قد صنعا ذائقة جديدة سوف تقود الشاعر إلى الانطفاء ما لم يتدارك اساليبه ورؤاه ويتحسس هواجسه وقناعاته التي تقودها هجمة متخمة بالاسئلة والإرباكات التي لم تكن موجودة حتى زمن قريب .
وتساءل عبدا لله عبد الوهاب عمّا يمكن ان يقدمه الشاعر من خلال وعاء اللغة الذي هو ميدانه الوحيد، وما اذا كانت هذه اللغة قادرة على الصمود في متاهة لا نهائية من الوقائع التي لا يمكن سبر اغوارها اعتماداً على ثقافة غير محصنة ومعرفة لا تهتدي إلى موقع قدمها على الارض .
واكد عبد الله عبد الوهاب أن الشاعر الواعي قادر من خلال هذه الأداة على مقاربة الحياة التي قال عنها احد الفلاسفة “انها إن لم تكن ألماً تكن كذبة” وان قصيدة النثر بدورها يمكن ان تنطفىء هي الاخرى وسط هذا العالم المتشظي، العالم المعولم الذي وصلنا فيه إلى مرحلة السقوط الاخير، كما قال جون ملتون، فنحن ذاهبون إلى حافة المتاهة، لكن هناك بصيص أمل ان تبقى القصيدة وان يبقى الشاعر الحقيقي وان يبقى شعره حيا إلى الأبد شرط ان ينتبه لكل العوامل الداخلية والخارجية، ان ينتبه إلى ذاته هو وما تريد وان ينتبه إلى الواقع البرّاني على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، وبهذا فقط قد يتسنى “للشعراء ان يحكموا العالم في يوم من الايام” .
[/align]
التزام
عبد الله السبب .. سعد جمعة
[align=justify]
الشاعر عبدالله السبب يرى أن كتّاب قصيدة التفعيلة في الإمارات هم أقل من حيث الكم قياساً إلى عدد شعراء قصيدة النثر، ولكنه في الوقت ذاته يجد أن المسألة لا تحدد كمياً في الشعر وإنما بعملية الالتزام بشعرية القصيدة ذاتها فيقول: نجد أن شعراء التفعيلة أقل عددياً من شعراء قصيدة النثر، لكن بعضهم ملتزم بأساسيات قصيدة التفعيلة التي تمنحها جمالياتها أكثر من بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر الذين يجدون استسهالاً في كتابة هذا الشكل الشعري لذلك نجد أحياناً أن ذلك الاستسهال يقود إلى فقدان القصيدة لديهم إلى هويتها .
كما يرى السبب أن قصيدة النثر تعرضت من قبل البعض إلى نوع من التعدي، فهناك تداخل بين الخاطرة مع القصيدة، ويختلط مفهوم الغموض الذي يرى أنه من أسس قصيدة النثر مع التغميض، وذلك لانعدام الوعي الكافي بطبيعة قصيدة النثر .
ويجد السبب أن مشكلة قصيدة التفعيلة تكمن في الوضوح من حيث الأهداف والمتن وهو ما يقلل الكثير من جمالياتها فيقول: اعول في تذوقي لقصيدة التفعيلة على علاقة الشاعر مع اللغة، فقصيدة التفعيلة لا تثيرني لجهة انكشاف مقاصدها ومتنها منذ البداية، تبقى جودة القصيدة مرهونة بعلاقة الشاعر مع اللغة حتى يقدم قصيدة مغايرة على مستوى الحساسية الشعرية لقصيدة التفعيلة، بينما أجد أن فضاء قصيدة النثر أكثر رحابة من حيث إمكانية التجريب، ومن حيث الغموض الذي يؤدي إلى الكشف من دون أن تكون هناك مقاصد مسبقة، وهي تمنح المتلقي فضاء أوسع للتخيل، وبالتالي فإنها تحمل في طياتها إمكانات جمالية قابلة للتذوق بأكثر من طريقة .
وحول مستقبل قصيدة التفعيلة في الإمارات يجد السبب أنها ستكون متواجدة في المشهد الشعري “على استحياء”، ويقول “لن يكون هناك في المستقبل القريب جيل جديد من شعراء قصيدة التفعيلة، وسيكون تواجد هذه القصيدة قليلاً داخل المشهد الشعري الإماراتي، ولن يخرج علينا شاعر مهم يكتب التفعيلة إلا بين الحين والآخر، بينما نجد أن شعراء قصيدة النثر في حالة ازدياد، وبعضهم يقدم لنا مفاجآت مهمة على مستوى التجديد، ولديه إمكانات مهمة في التجريب داخل القصيدة، وهو ما يميز قصيدة النثر نفسها إذا ما وضعت بالمقارنة مع قصيدة التفعيلة، حيث مساحة التجريب في الأولى تمنح الشاعر إمكانية لاكتشاف مساحات جمالية وتفاعلية أكثر، بينما نجد أن شعر التفعيلة بدأ يكرر ذاته، ويكرر مواضيعه” .
ويختم السبب قائلاً “على المستوى الشخصي لا يثيرني الوضوح الذي تتشابه فيه معظم قصائد التفعيلة، في الوقت الذي مازال يثيرني الغموض في قصيدة النثر، لأنه يأخذني دائماً إلى مناطق غير متوقعة، ويكشف لي عن جماليات جديدة، وهو ما يجعلني أرى أن مستقبل المشهد الشعري في الإمارات سيكون لمصلحة ترسيخ مكانة قصيدة النثر” .
* * *
يرى الشاعر سعد جمعة أن الصراع بين أنصار قصيدة النثر وأنصار الأشكال الشعرية الأخرى لم يهدأ منذ أن ظهرت هذه القصيدة ولم تزده الأيام إلا اشتعالا، ذلك أن بعض الذين عارضوا قصيدة النثر عند ظهورها في الشعر الإماراتي أصبحوا اليوم يديرون بعض المؤسسات الثقافية في الدولة ويستخدمون سلطتهم ضد شعراء هذا التيار باستبعادهم من منابرهم وفرض التعتيم الثقافي والإعلامي عليهم وحرمانهم من المشاركة في الأنشطة الأدبية، لكن رغم ذلك فإن قصيدة النثر جذرت نفسها في أدبنا، وأصبح لها حضور كبير وشعراء راسخون وأمسيات مشهودة وقراء متحمسون، ولم يعد من الممكن طمسها بحرمانها من أمسية هنا أو ندوة هناك أو جائزة صغيرة .
ويضيف جمعة: لم تعد قصيدة النثر بحاجة إلى الاعتراف من أي شخص، وهؤلاء الذين ما زالوا يعارضونها هم مجرد أفراد تجاوزهم الزمن وبقوا هم على رأيهم المتصلب الأعمى، وهم بذلك يضرون أنفسهم قبل أن يضروا الشعر، فهم بحاجة إلى من ينير لهم الطريق . ويتمنى جمعة أن تتبنى جهة ما غير منحازة جائزة شعرية مخصصة للقصيدة الجديدة عامة بما فيها قصيدة النثر .
[/align]