|
|
دُخان آسْيَويّ
مقال خيري منصــور
دار الخليج
سحابات الدخان التي تنعقد في فضاءات آسيا ليس فقط من زفير مصانعها، أو من ثالث أوكسيد البكاء الذي تذرفه العيون المتعبة، إنه أيضاً من الحرائق التي أشعلها المغلوبون على أمرهم . فالقارة العجوز وتوأم الأسى بدءاً من اسمها، عرفت ما أطلق عليه في أدبيات الحراك السياسي دولة الاستبداد، مثلما عرفت أنماطاً من الإنتاج كان لها التأثير الأكبر في صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وعلى رغم أن القارة الشاسعة التي أنتجت من محاصيل الشقاء أضعاف ما أنتجت من القمح والشعير، فإنها شبت عن الطوق الكولونيالي، وأوشكت في مرحلة ما أن تنافس السادة القدامى، ولاحت نمورها في الأفق، حتى أطلق على القرن الجديد بتفاؤل مبالغ فيه اسم “القرن الآسيوي” . لقد عرفت القارة المنكوبة حراكاً سياسياً ومحاولات في حرق المراحل للحاق بالعالم، ما أثار الحسد أكثر من الغبطة .
وكانت الحكمة على الدوام هي ما يقترن بالغليان في مختلف أنحاء آسيا، لكنها حكمة من طراز آخر غير ذلك الطراز الكونفوشيوسي أو الزراداشتي الذي يحشر الحياة بين قطبي الخير والشر، حيث الإنسان يمارس رقصته الأبدية على حبل مشدود بينهما .
إن ما تصاعد من دخان وغبار في سماء قرغيزيا بدأ قبل عقود من مناطق أخرى، ويعود الآن إلى سماء تايلاند، حيث لا يعرف المشاهد ما إذا كان هذا الدخان من مصانع أم من أكوام النفايات، فالبوصلة غالباً ما تعطب عندما يندلع الغضب الأعمى، وتستبد الثأرية بشعوب لا تعود تفرق بين ما يستحق الحرق وما يستحق السقاية من ممتلكات هي في النهاية للناس جميعاً وليست حكراً على مؤسسات الدولة .
وبرغم أن الموجة الآسيوية الرابعة كانت تراوح بين اللون البرتقالي واللون الأحمر، فإن تقاليد الحراك السلمي لم تستقر بالقدر الكافي لضمان السلامة، سواء لما ينسب إلى الدولة من ممتلكات، أو ما أنجزه العباد بالكدح والمثابرة . وأسوأ ما يمكن أن يتعرض له الحراك الآسيوي على اختلاف درجة الحرارة هو الاختزال الذي يقيس كل ما يجري في القارة على نموذج واحد، فما جرى في شوارع طهران وقرغيزيا وأخيراً تايلاند، وهي ليست خاتمة المطاف، ليس تعبيراً عن سبب واحد، لكن التعامل الاستشراقي المزمن مع هذه القارة حوّل أهم تجاربها الإنسانية إلى فئران بيض في مختبرات أشد بياضاً في معظم عواصم الغرب .
والأرجح أن ما يحدث الآن سواء في آسيا أو خارجها، ليس إلا انفجاراً لما تراكم خلال عقود وربما قرون من العسف وكظم الغيظ، فمن يموتون لأتفه الأسباب وتعجز المنظمات الدولية عن إنقاذهم، كما حدث في بنغلاديش التي قضم الزرنيخ وجوه وأجساد أطفالها، تصل أعدادهم إلى أرقام جديرة بأن توصف بأنها كارثية، إذ لا يقبل العقل على سبيل المثال ذرائع منظمة اليونيسيف حول العجز عن الإنقاذ في حرب الزرنيخ .
لم تعد سماء آسيا صافية، فالدخان يحجبها تماماً كما يحجب الأسباب الحقيقية لفوضى غير خلاقة على الإطلاق .