غصن زيتون يابس
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج



في العام 1974 ألقى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خطاباً في هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، وهو يرتدي كوفيته الفلسطينية المعروفة بذلك العُرْف الذي يشبه عُرْف الديك في أعلى رأسه وبثيابه العسكرية ومن دون أن ينزع مسدسه وقال: جئتكم أحمل البندقية في يد، وغصن الزيتون الأخضر في يد فلا تلقوا غصن الزيتون الأخضر من يدي، وكرر هذه العبارة ثلاث مرات ثم خرج من القاعة وخلفه عاصفة من التصفيق .


المفارقة هنا أن عرفات عندما كان يتحدث بلغة الخيار بين البندقية وغصن الزيتون في منتصف سبعينات القرن الماضي، وكان في حاجة إلى تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية تم له ذلك، ودخل إلى نيويورك وقال كلمته ومضى، في حين أنه في العام 1988 عندما جنح إلى لغة السلام، وكان مطلوباً منه أن يتحدث مرة ثانية في هيئة الأمم المتحدة في نيويورك أيضاً لم يسمح له بتأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، وهكذا انتقلت هيئة الأمم إلى جنيف كي يتاح للرمز الفلسطيني أن يقول كلمته مرة ثانية . . وربما الأخيرة .


ليس من مهمة حيز هذا المكان من الكتابة أن يغرق في لغة السياسة، ولكن غصن الزيتون هذا الذي لوح به عرفات بيد قوية في السبعينات أمام ممثلي بلدان العالم من قوّيها إلى ضعيفها، أصبح غصناً ل”الدبكة” كما قال قبل أيام أحد الزعماء العرب، وهي مقاربة ذكية وتنطوي، أيضاً، على الكثير من الأسى على مصير بعض الرموز الفلسطينية التي تمّ ويتم تفريغها بالكامل من مضمونها ومعناها، فبعد نحو 35 عاماً من كلمة عرفات لم يعد غصن الزيتون يستعمل الآن في الدبكات وفي الرقص فقط، بل، بات غصناً يابساً لا لأن الأرض الفلسطينية جدباء وناشفة، بل لأن قلوب بعض السياسيين نشفت وَخَلَتْ كلياً من القوة ومن الشجاعة ولو كانتا قوتين صغيرتين يمكن التلويح بهما من باب حفظ ماء الوجه على الأقل .


أترك عرفات وغصنه وبدلته الكاكي ومسدسه وحيويته الشعرية وسرعة بديهته السياسية، وأترك أيضاً روحك المعنوية الوطنية في تلك السبعينات التي كانت فيها الرؤوس العربية تفكر وتحلم وترفض وتشتاق، وأنظر بعينيّ شاعر “لا سياسي” إلى الذي يجري على الساحة الفلسطينية بوجه خاص في هذا القرن الجديد . .

قرن وحيد القرن كما يقال:


ماذا ترى؟ هل ترى شيئاً غير أشباح


ترقص في الظلام؟؟