عَشاء مَقْدسي
مقال الكاتب المبدع
خيري منصور
دار الخليج
تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وتجوع القدس ولا تأكل بقبابها، وحجارتها الممهورة بتواقيع رسولية، فهي منذ البدء فاتحة ثقافة وعقيدة وملاذ، لهذا لا تلوذ إلا بذاتها فهي سنديانة وليست شجرة لبلاب، وبقدر ما تغوص جذورها في التراب تتعمق أيضاً في السماء، فكيف انتهى حالها إلى هذا الحصار والتجويع تمهيداً للتهويد والتهجير؟
أكثر من 67% من أهلها فقراء بمقاييس هذا التعريف الدولي للفقر، لهذا لم يجدوا مؤخراً غير ما تبقى من تكية عثمانية، كانت زوجة سليمان القانوني قد أعدتها منذ قرون لأجل هذه الظهيرة السوداء، والقدس عاصمة الأرض وسرة الكون عزلاء الآن إلا من تاريخها، وصمود من تبقى من أهلها على قيد مسقط الرأس، ومسقط الروح، ويبدو المشهد أقرب إلى كوميديا سوداء لو قلنا بأن أكثر من مليار ونصف من العرب والمسلمين يستطيعون انقاذها لو تبرع أحدهم بما يعادل دولاراً واحداً، فهي مهددة لا بالتهويد فقط، بل بالدمار والتحول إلى ضرائب واطلال لأن دود الاحتلال والاستيطان يقضم أسسها وجذورها منذ ستين عاماً، وإذا كان الأقصى هو ما يقع الآن تحت إضاءة اعلامية ساطعة، فإن ما عداه وما حوله أيضاً في خطر، ويبدو أن القدس أقداس وليست واحدة حتى بالنسبة للعرب والمسلمين، فثمة قدس للسياسة ورهاناتها ومقاولاتها، وقدس للناس الذين لا حول لهم ولا قوة . . غير أنهم لم يغمضوا لحظة عن حراستها .
إن سياسة الافقار والتجويع ليست سوى مقدمات لاستراتيجة الترانسفير التي كانت ولا تزال جذر البرنامج الصهيوني الاستيطاني، فالاستيطان حلول، وبالتالي اقتلاع وحذف، سواء للناس أو للآثار التاريخية، فالجرافة كانت منذ بدء الاحتلال توأم الدبابة، والتجريف لايتوقف عند التربة فقط، إنه يتمدد إلى الذاكرة والتاريخ وقد يستطيل نحو المستقبل فالأمر إذن جلل، ولا سبيل أمام أحد للفرار من حصته من المسؤولية الدينية والقومية والأخلاقية، لأن ضياع القدس هو المعادل الرمزي لضياع أمة وعقيدة وموروث مقدس . والعشاء المقدسي المتقشف ليس الأخير، لكنه إدانة صريحة لكل من لا يصابون بعسر الهضم في العقول والبطون معاً وهم يسمعون ويشاهدون ما يجري لتلك المدينة، وكل ما في القدس بحاجة إلى اغاثة، لأن المدينة منكوبة بكل المقاييس وثمة معاول لا تكلّ تستهدف جذورها سواء كانت مقدسات ومساجد وكنائس أو بيوتاً ومدارس ومعالم تراثية، وحين أعلنت في العام الماضي عاصمة للثقافة العربية وقفت في العراء يتيمة، لأن الدخول إليها محظور ومجرد كتابة اسمها وأسماء بُناتها أمر يكلف من يجازف به حريته أو حتى حياته .
ولا ندري إن كانت لدى مسلمي العالم وعربه أقداس أخرى احتياطية، تنوب عن هذه المدينة الخالدة في حال رحيلها!
ولو صدقنا ما يكتب ويبث على مدار الساعة من حرص على القدس وترسيخ جذورها وإبقاء أهلها فيها لأضفنا إلى الكارثة الحقيقة والمرئية بالعين المجردة كارثة أخرى هي التعويل على كلام ووعود ممنوعة من الصرف .
وأحوال القدس لم تعد تسمح بأي تسويف لأن الدقيقة لها ثمن، ولأن غزاتها من المستوطنين يسابقون عقارب الساعة في عبرنة كل زقاق فيها، والعبث بمعالمها وملامحها، بحيث يصبح من العسير التعرف عليها كما هي . . وكما عهدناها .





رد مع اقتباس
