قفص بسعة كوكب
مقال خيري منصور
دار الخليج
عندما كانت الحرب الباردة تلفظ أنفاسها الأخيرة توقع الكاتب التشيكي ميلانو كونديرا أن الناس جميعاً سوف يشعرون ذات يوم بأنهم متهمون، وأن عليهم أن يبرهنوا على براءتهم، لأن المعادلة المقلوبة رأساً على عقب هي أن العقاب الجاهز هو ما يبحث عن جريمة ملائمة وليس العكس، ورغم أن هذا الكاتب وهو وريث فرانزكافكا الذي حول الوجود كله إلى كابوس، إلا أن ما قاله عن النظم الشمولية سرعان ما أصبح متسقاً مع نظام دولي جديد، انقلب على الشمولية وادعى أنه حرر العالم من شرورها لكنه تحول إلى نظام شمولي صارم، فالرقابة الآن تنتهك النخاع الشوكي للبشر، وتنصب الكاميرات في العواصم الكلاسيكية للرأسمالية بدءاً من لندن كي يضبط الناس متلبسين بأفعال معينة، وما قيل عن العولمة وما بشر به دهاقنتها وهو حرية انتقال الإنسان والمال والمعلومة تحول إلى العكس تماماً، فلا الإنسان ولا المال ولا المعلومة يتاح لها أن تنتقل بلا رصد صارم، وهذا يذكرنا بالحريات الأربع التي تحدث عنها روزفلت قبل فترة طويلة ومنحت الجوائز لمن يسعون إلى تحقيقها، وفي مقدمتها حرية الافلات من الخوف والضغوط المادية والنفسية، حتى توقعات جورج أورويل الشهيرة عن زمن يدخل فيه الرقيب أو ما يسميه الأخ الأكبر إلى غرف النوم، والحمامات تحققت لكن على نحو مضاد، فهو كان يقصد المجتمعات الشيوعية لكن الرأسمالية المفرطة أو ذات الأنياب هي ما تفعل ذلك الآن .
ما كان محض خيال لدى كتاب وشعراء تحول في عصرنا إلى وقائع، وعلى الإنسان أن يتأقلم مع قانون الطوارئ هذا حتى لو لم يكن مدوناً فهو يملك قوة العرف المسلح، والإملاء بالقوة .
هكذا، يستمر السباق الماراثوني بين من يطاردون العنف أو ما يسمونه الارهاب وبين مخترعات وحيل هذا العنف، فالتاريخ له دائماً وجهان، ومن اخترع السيف هو الذي اخترع الدرع، كما أن من اخترع الصاروخ هو الذي اخترع الباتريوت لإعاقته أو تفجيره قبل الوصول إلى الهداف .
حكاية لا تنتهي، لأن جذور المشكلات الكبرى ممنوع الاقتراب منها، ومحظور فحصها، لهذا فالتوصيف يقتصر على السطح وما ينتأ عليه بمعزل عن الأعماق . . وكان مفكرون أمريكيون وأوروبيون منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 وهو العام الفاصل بين تاريخين وثقافتين قد قرعوا الأجراس منبهين إلى أن معالجة البثور التي تظهر على الجلد ليست هي الحل الجذري، لأنها مجرد أعراض لمرضى أعمق وأشد خبثاً وباطنية، لكن ما من أحد أصغى لهؤلاء، لأن أطروحاتهم تعرض القوى الدولية الكبرى والفاعلة لمساءلات كتلك التي تنهمر من الجنوب المعسر إلى الشمال الموسر ومن المليارات الجائعة والمشردة لعدد قليل ممن يعانون من فائض الاستقرار والرفاه!
من اعلنوا الحرب الكونية الثالثة على الإرهاب يطورون يومياً من أدواتهم وحواسيبهم لكنهم لم يتوصلوا بعد إلى نتائج تناسب تلك الجهود، وبالمقابل فإن العنف يطور من أدواته، ويتنقل مرتديا طاقية الاخفاء من قارة إلى أخرى، لهذا ما من قرائن تبشر بوضع نهاية لهذه الدراما في المدى المنظور، ومن يتصور بأن الوصفة اليوتوبية لمعالجة جذور العنف هي العلاج السحري العاجل يخطئون مرتين، خصوصاً إذا كانت تلك الوصفة أشبه بخلطة مثالية بين العدل والمساواة، لأن هذه المفاهيم نسبية، وما هو عادل لطرف شديد الظلم والعدوان بالنسبة لطرف آخر، والخلاصة السوداء هي أن البشر جميعاً يشعرون بأنهم في قفص الاتهام أما المحاكمة فهي كافكاوية بامتياز كابوسي .