ضبط 38 طناً في الفجيرة وكلباء العام الماضي
الأغذية الفاسدة جريمة تؤرق البلديات والمستهلكين
تجاوزات خطرة في مجال الأغذية بأنواعها المختلفة ظلت تتكرر باستمرار مهددة حياة الإنسان بالخطر، والموت المحقق، حيث ظلت الأنباء تتوارد وترشح بين الفينة والأخرى عن نجاح أجهزة الرقابة الصحية بالبلديات في ضبط مئات الأطنان من المواد الغذائية الفاسدة وغير الصالحة للاستخدام الآدمي وفقاً للتقارير التي تصدرها أقسام الصحة بالبلديات، وما خفي كان أعظم، من دون أن يجد ضعاف النفوس الذين لا يتوانون في التعامل مع هذه المواد بخيال مريض من أجل التكسب والربح من دون اعتبار لصحة الإنسان أو واعز أخلاقي يحول دون تكرارهم هذا الفعل الشائن الذي لا يختلف اثنان على مدى جرمه .
إن ثمة جهوداً عظيمة ظلت ومازالت تبذلها بلديات الدولة المختلفة في مكافحة الظاهرة حيث نجحت بلدية الفجيرة خلال العام الماضي في ضبط ما يقارب من 14،5 طن من المواد الغذائية المعلبة واللحوم والأسماك الفاسدة، فيما تمكنت بلدية كلباء من ضبط ما يربو على 24 طناً من المواد الغذائية الفاسدة . بيد أن مساعي البلديات للحد من نشاط هؤلاء المجرمين، بحسب الآراء، تذهب سدى في ظل غياب القوانين الصحية الرادعة ذلك أن العقوبات التي تفرض على المخالفين تغريهم لضعفها بتكرار صنيعهم المخالف للقوانين واللوائح الصحية والمنافي لأصول الأخلاق والقيم السلوكية الرشيدة، ويبقى السؤال الأساسي: هل تتوازى العقوبات المفروضة على ضعاف النفوس الذين يتاجرون بأرواح المستهلكين ولا يتوانون في التكسب من خلال التعامل مع الأغذية والمواد الفاسدة مع حجم الجرم الذي يصنفه البعض بأنه جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد؟
“الخليج” تسلط في هذا التحقيق الضوء على قضية مدى ملاءمة القوانين الصحية السارية الآن في عدد من البلديات مع جرائم الأغذية الفاسدة التي تعج بها الأسواق والمحال التجارية . . وهل هي رادعة وفعالة بالقدر الكافي الذي يمكن أن يكبح جماح هؤلاء؟
في البدء يقول محمد سيف النقبي مدير بلدية خورفكان: لا شك في أن الأسواق بالمنطقة تكتظ بالمخالفات المعلقة بالأغذية الفاسدة، والتي تختلف بحسب نوعية الرخصة والنشاط، لذلك ظلت ومازالت البلدية تكرس جل جهدها من أجل كشفها وضبطها عن طريق الحملات الدورية والفجائية التي تنفذها السلطات الصحية على الأسواق، خاصة أن الثابت علمياً أن الأغذية والمواد غير الصالحة للاستخدام الآدمي تؤدي حال تناولها إلى حدوث حالات تسمم أو الوفاة في بعض الحالات .
ويضيف أن إدارته الصحية تتعامل مع المخالفات وتجاوزات أصحاب الرخص بشكل عام تدريجياً، بدءاً بالتوعية والتثقيف والإنذار والمهلة ثم تحرير المخالفة وبعد ذلك الإغلاق، ومن ثم الغاء الرخصة، مشيراً إلى أن استسهال المخالفة الصحية وعدم تنفيذ الاشتراطات الصحية يؤدي في النهاية إلى كارثة صحية، وأن العقوبات المطبقة حالياً غير رادعة البتة، الأمر الذي يستوجب أهمية مراجعة القوانين الصحية لجهة الصرامة والردع حتى نمنع المخالف من تكرار فعلته الشنيعة، حيث إن واقع العقوبات الساري الآن يحرض ضعاف النفوس على التمادي في المتاجرة بقوت المستهلك بهدف التكسب .
واقترح النقبي ضرورة تشكيل لجان لحصر المخالفات وسن قوانين صحية جديدة بحيث تتماشى عقوباتها مع حجم الجرم المرتكب حتى نتمكن من ضبط الأسواق وفرض هيبة السلطات الصحية على المحال والأسواق التجارية .
وأشار إلى أن التهاون في التعامل مع الأغذية الفاسدة يبدأ بجهل صاحب الرخصة، مشيراً إلى أن صياغة قانون جديد للإجراءات الصحية سيمكن المفتشين من التعامل الجاد مع المخالفات التي تعج بها الأسواق والتي تؤكدها التقارير الصحية للبلدية حيث إن افتقار المفتش لحق توقيع العقوبة الصارمة يغري الكثيرين بالتعامل مع المواد الفاسدة بأنواعها، وبذلك لن تؤدي الحملات التفتيشية التي تشنها البلدية الغرض المنشود منها .
من جانبه أكد أحمد جمعة الهورة مدير بلدية كلباء أن العقوبات والغرامات المالية المطبقة حالياً لكبح جماح المخالفين الذين يتعاملون في الأغذية الفاسدة لا تتوازى مع حجم الجرم المقترف باعتبار أن القوانين السارية صيغت ووضعت في سبعينات القرن الماضي وأصبحت لا تتماشى مع المستجدات التي شهدتها أسواق الدولة .
وأضاف أن المجلس البلدي لمدينة كلباء سبق أن ناقش التناقض ما بين كارثة التعامل من قبل المخالفين مع الأغذية والمواد الفاسدة وما بين العقوبات التي حددها القانون الصحي المعمول به، ورفع على خلفية ذلك مذكرة للجهات المختصة بضرورة تعديل القوانين واللوائح والنظم الصحية بحيث تصبح عقوباتها رادعة لكل من تسول له نفسه التعامل مع هذه المواد الفاسدة التي يعتبر مبدأ المتاجرة فيها بحجم جريمة الشروع في القتل، لافتاً إلى أن الأضرار الصحية لتناولها لا تخفى على أحد إذ إنها تؤدي بلا شك إلى الهلاك .
وأضاف أن القانون الحالي يعاقب أي مخالف يتعامل مع هذه النوعية من المواد بالغرامة التي تتفاوت بحسب حجمها ما بين 100 درهم إلى 5 آلاف درهم، في وقت تجد فيه أن هذه المبالغ لا تعني شيئاً للمخالفين في تكرار التعامل معها مرة أخرى ما دامت العقوبات على هذه الضآلة باعتبار أن مبلغ الغرامة المقروض لا يرهق المحل التجاري مادياً لأن دخله اليومي مرتفع إلا إذا فرضت عليه عقوبة الإغلاق المؤقت أو النهائي .
من ناحيتها قالت أصيلة عبدالله رئيسة قسم الصحة العامة في بلدية الفجيرة إن حجم التجاوزات في مجال التلاعب في المواد الغذائية والمتاجرة في الفاسد منها كبير جداً، خاصة أن بعض التجار والمتعاملين في هذا المجال عن وعي يسعون إلى الربح السريع لذلك لا يتوانون عن الغش والتدليس وغيرها من الحيل .
وأضافت أن الاشتراطات الصحية السارية حالياً والمعمول بها في إدارتها حافلة بالعديد من الثغرات ما يصعب من عملية ردع المخالفين، مؤكدة أن إدارتها انتبهت للفجوة بين الاشتراطات الصحية وحجم المخالفات الذي يرقى لتعريض حياة المستهلكين لخطر الموت الداهم، لذلك سيتم تدارك القصور بصياغة قانون محلي جديد، يجري حالياً إعداد مسودته استناداً إلى قانون الأمانة العامة للبلديات، مضيفة أن التطورات والمستجدات التي تشهدها أسواق الدولة خصوصاً أنها مفتوحة تستقبل العديد من البضائع والمنتوجات الغذائية المغشوشة تجارياً فرضت حتمية صياغة قانون رادع ومواكب ومساير لهذه التطورات حتى تتماشى عقوباته مع حجم التجاوزات التي ترتكب ويمارسها الخارجون على القانون وغير الملتزمين باللوائح والنظم الصحية .
وقالت إن التجربة الماثلة حالياً أكدت أن كثيراً من المتلاعبين بالأغذية حال توقيع غرامات عليهم يقومون بدفعها ولا يكترثون لتكرار المخالفة دون وازع أخلاقي أو رادع قانوني، الأمر الذي يشير إلى أن العقوبات غير قادرة على ردعهم .
وفيما يختص بالتعريف العلمي لظاهرة الأغذية والمواد الفاسدة قال الدكتور كمال الحمادي رئيس قسم الصحة العامة ببلدية كلباء: تعد ظاهرة الفساد الغذائي من الظواهر الطبيعية كونها تحدث ذاتياً وبشكل رئيسي من خلال تأثير الانزيمات الموجودة في الغذاء أو الانزيمات المفرزة من قبل الأحياء الدقيقة الموجودة في المادة الغذائية، حيث يعود سبب فساد الأغذية إلى تأثير عامل أو أكثر من عوامل الفساد مثل نمو الأحياء الدقيقة ونشاطها الانزيمي، والتفاعلات الكيميائية، والتغييرات الفيزيائية أو تأثيرات العوامل البيئية المحيطة كالحرارة والرطوبة والهواء والضوء .
ويضيف: كل هذه العوامل اختصار تساعد على عملية فساد المواد الغذائية فيكون الغذاء غير مقبول من حيث الشكل الخارجي أو الطعم أو الرائحة، ونتيجة لظهور أعراض الفساد أو ثبوته عملياً وواقعياً يصبح الغذاء في غالب الأحيان ضاراً بصحة المستهلك لوجود أعداد كبيرة من الأحياء الدقيقة النشطة التي تطلق سمومها .
الخليج






رد مع اقتباس