مقال الدكتور كمال المويل عن نظرية الدم الفاسد
منقول ( بتصرف )
هذه المقولة ((الدم الفاسد)) كانت سائدة في الطب القديم ولا زالت تستعمل على نطاق واسع في العصر الحديث، يرددها الناس والمرضى ويجاملهم الأطباء في ذلك، فهل هذه المقولة صحيحة؟ وهل هناك دم صالح ودم فاسد داخل الجسم البشري؟ وما هي الدلائل على فساد الدم عند من يقول بذلك؟ في هذه المقالة نحاول الإجابة على هذه التساؤلات.
كان الأطباء القدامى ومعهم الناس يعتقدون أنّ لكل عضو من أعضاء الجسم دمه الموجود فيه، وأنّ المرض الذي يصيب ذلك العضو يسبب فساد في الدم فيه، وأنّ الوسيلة للتخلص من الدم الفاسد في أي عضو من أعضاء الجسم وبالتالي معالجة المرض الذي أصابه هو بالحجامة الرطبة (الحجامة بعد تشطيب الجلد) التي تُخرج الدم الفاسد وتُبقي الدم الصالح في ذلك العضو، كما كانوا يقولون بتصليح الدم من خلال وسائل أخرى كالغذاء والحمية والرياضة الجسمية والهواء النقي والمقيئات والمسهلات، وقد استمرت هذه المعتقدات آلاف السنين حتى أرسى جالينوس (القرن الثاني الميلادي) نظريته في القلب والأوعية (الدم)
فالدورة الدموية أصبحت حقيقة ولها شواهد مادية محسوسة، فحينما نسحب ليتر دم من أوردة اليد لا يستطيع أي إنسان أن يزعم أنّ يد الإنسان تحتوي أكثر من ليتر من الدم، وحينما ننقل الدم لإنسان وقد تكون الكمية بالألتار لا يستطيع أحد الزعم بأنّ يد الإنسان تحمل ثلاثة ألتار من الدم مثلا، فهناك دورة دموية والدخول على أي وعاء دموي هو دخول على الشجرة الدموية أي دخول على السائل الدموي ككل، فأين هو الدم الفاسد والدم غير الفاسد داخل الكتلة الدموية السائلة؟! إنّ نظرية الدم الفاسد لم يعد لها أساس من الصحة منذ اكتشاف الدورة الدموية، أي: منذ أربعة قرون على الأقل ومع ذلك لا يزال الناس يعتقدون بهذه النظرية لشبهات، ويسايرهم الأطباء لأسباب، فما هي هذه الشبهات؟ وما هي هذه الأسباب؟.
أما الشبهة الأولى التي يوردها الناس على القول بالدم الفاسد فهي شبهة اللون، حيث إنّ الدم المستخرج من الجسم سواء بالحجامة (الرطبة) أو بالفصادة (سحب الدم من أوردة اليد) لونه أزرق غامق قريب إلى السواد في حين لون الدم الصالح هو الأحمر الفاتح، والجواب على شبهة اللون هو أنّ الدم المستخرج بالحجامة والفصادة هو دم وريدي، أي: الدم الذي يحمل الفضلات ومنها الكربون من سائر أنحاء الجسم إلى القلب، فالحجامة والفصادة تكون من خلال الأوردة وهي سطحية عادة، بينما الشرايين التي تحمل الدم الأحمر الزاهي لا يمكن الدخول عليها بالفصادة أو بالحجامة.
وأما الشبهة الثانية التي يوردها من يقول بنظرية الدم الفاسد فهي شبهة التخثر، حيث إنّ الدم الخارج من الجسم بالحجامة أو الفصادة أو الجروح يتخثر بسرعة وخاصة في الجو البارد، فيقول لنا الكثير من المرضى حينما نسحب لهم الدم كوسيلة علاجية: أنظر يا دكتور، هذا الدم الأسود المتجلط لو بقي في جسمي لقتلني، وهذا الكلام يقوله الناس لبعضهم، والجواب على ذلك أنّ أيّ دم يخرج من الجسم سوف يتجلط بسرعة خاصة إذا كان الجو باردا، وحتى لا يتخثر الدم الذي يؤخذ من الناس في بنوك الدم ويُنقل لغيرهم أو الدم الذي يُستخرج من الجسم للتحاليل المخبرية، يُضاف له مادة مانعة للتخثر.
ومن المناسب التذكير بأنني لا أنفي العلاج بالحجامة أو الفصادة في بعض الحالات، وإنما أنفي أن يكون هناك دم فاسد ودم صالح فالدم هو هو قد يكون صالحا وذلك عند الإنسان السليم وقد يكون فاسدا وذلك عند الإنسان المريض ولكن هذا الفساد هو فساد نسبي وليس مطلقا.
وأما الأطباء فيسايرون المرضى في قولهم بالدم الفاسد إما لأنه ليس لديهم وقت لشرح المعلومة الطبية أو لأنّ المريض عاميّ لا يمتلك القدرة على استيعاب نظرية الدورة الدموية أو كنوع من الدجل للمحافظة على المنفعة المالية من المريض، وعند هذا السبب الأخير أذكّر بأنّ هارفي لم ينشر نظريته واكتشافه للدورة الدموية (1615م) إلا بعد ثلاثة عشر عاما من اكتشافه (1628م)، ويذكر المؤرِّخون أنه اتهم في عقله وتأثر عمله الطبي بعد أن نشر اكتشافه لهذه الحقيقة العلمية.