رحلة خاصة إلى أفق مسدود رغم أن عمره تجاوز الأربعين إلاّ انه كان يرفض دائماً دعوة أبيه لأن يتزوج، فقد كان يعتبر أن الزواج قيود ومسؤولية هو لا يريدها. كان الرجل يمتلك المال الكثير فوالده ليس له غيره من الذكور ولديه شركة مقاولات كبيرة، لذا فقد كان الرجل لا يعوزه المال للسهر والسفر، ولهذا كان يرفض الزواج.

في إحدى السفرات ذهب إلى جنوب شرق آسيا كما هو معتاد أن يقضي إجازاته، وهناك تعرف عليها، كانت شابة جميلة لم تتجاوز الـ «19» عاماً من عمرها، كانت الشابة تجلس خلف مكتب كبير وضخم وحولها شاشات التلفزة التي يزيد عددها على «12» شاشة كانت كلها تعرض صوراً للطبيعة الجميلة لعدد من الجزر في بلادها وذلك للفت انتباه السياح.

رحلة خاصة

عندما شاهد الرجل تلك الفتاة تسمر في مكانه وكأنه لم ير فتاة في حياته، وهنا تقدم منها يسألها عن تلك الجزر التي يراها على شاشات التلفزة، فأخبرته الفتاة بأنها جزر لبلادها وانها مهيأة بكل سبل الراحة، ففيها الفنادق والشاليهات والغطس تحت الماء.. الخ.

أحب الرجل أن يستزيد حتى يحظى بالنظر والحديث إليها حيث أخبرته بأنها تدير هذا المكتب الذي ينظم تلك الرحلات وأنه إذا كان راغباً في ذلك فهي على استعداد ان تحجز له المكان الذي يريد. هنا قال لها بانه يرغب في رحلة من اختيارها هي حيث نصحته بإحدى الجزر، وعندما عرض عليها أن تشاركه في رحلته تلك أخبرته بأنها لا تستطيع وان هذا ممنوع، وقد يؤدي إلى طردها من عملها.

لكن الرجل لم ييأس وقال لها بأنه مستعد لأن يدفع لها أي مبلغ تطلبه مقابل أن يقضي معها إجازة في رحلة خاصة إلى أي من هذه الجزر. وأخيراً وافقت الفتاة على أن تذهب في تلك الرحلة الخاصة مقابل «12» ألف دولار أميركي، شعرت الفتاة بأنها محظوظة كونها وقعت على هذا «البنك» المتحرك.

وخلال رحلتها التي لم تزد على خمسة أيام كانت قد أخذت من الرجل مبالغ مالية كبيرة كان الرجل متيماً بها إلى درجة لا تطاق لذا طلب الزواج منها إلاّ أنها رفضت لكونها لا تريد أن تترك والدتها وحدها فهي يتيمة الأب وليست لها أخوات أو أخوة ثم أنها لا ترغب في ان تبدأ حياتها الزوجية في بلاد أخرى خاصة وأن لديها وظيفة جيدة ودخلاً يكفيها ووالدتها.

هنا أحس الرجل بالإحباط وقال لها بانه مستعد لأن يدفع لها المبلغ الذي تريد مقابل موافقتها على الزواج، إلاّ انها بقيت على موقفها الرافض قائلة له بانها ليست سلعة حتى تُباع بأي مبلغ من المال. اتصل الرجل بوالده وأخبره بانه يريد أن يتزوج ورغم أن والده رفض فكرة زواجه من تلك البلاد، وتلك الفتاة إلاّ أن الرجل بقي مصراً على رأيه، عندها لم يجد والده بداً من الموافقة.

الزواج

بعد أن أخذ الرجل موافقة والده رجع إلى الفتاة من جديد محاولاً إقناعها بضرورة الزواج منه، وأخيراً وافقت على ذلك مقابل مبلغ «100» ألف دولار أميركي يدفعه لها كنوع من الحماية لها وحفاظاً على مستقبلها.

وافق الرجل على ذلك ودفع لها «20» ألف دولار على أن يدفع لها بقية المبلغ عندما يعود إلى بلاده، بعد أن عاد إلى بلاده بستة أشهر بدأ يذهب إلى المستشفيات كثيراً فلم تعد حالته الصحية مستقرة. كان الأطباء عندما يسألونه ان كان يدخن أو يشرب كان يجيب بنعم وانه مدمن على الشرب والتدخين عندها كانوا يطلبون منه أن يتوقف عن التدخين والشرب، لكن الرجل لم يكن يفعل ذلك.

في إحدى الليالي اتصلت زوجته بسيارة الإسعاف حيث تم نقل الرجل إلى المستشفى وهو في حالة صحية سيئة بعد أن أفرط في الشرب، لذا بدأت جهود الأطباء تتركز على نقطة مهمة وهي إقناعه بالابتعاد عن هذين الخطرين «التدخين والشرب» ان أراد لصحته أن تتحسن.

هنا قررت المرأة أن تأخذ زوجها وتعود به إلى بلادها لعلها تجد له هناك دواءً خاصة وأن عيادات إعادة التأهيل الخاصة بالمدخنين على الشراب والتدخين والمخدرات كثيرة جداً، كما أن أطباء الأعشاب كثيرون أيضاً فلعلهم يجدون له علاجاً.

سافر الرجل وزوجته واستمرت رحلة العلاج هناك ثلاثة أشهر بعدها عاد إلى بلاده، لكن زياراته إلى المستشفيات والعيادات الخاصة لم تتوقف كما كان هو الحال خلال الأشهر الثلاثة التي قضاها في بلاد زوجته.

بدأت بعض الخلافات تظهر بين الرجل وزوجته لكن سرعان ما يتدخل والد الزوج وينهي الموضوع، في إحدى الليالي زادت المشكلة بين الاثنين مما دفع بالزوج لأن يصفع زوجته قائلاً لها أنت «.....»، لقد اشتريتك بمالي كما اشتري الحذاء، لكن المرأة ردت عليه بأنه هو الذي كان يلهث وراءها مثل «....».

بعد هذا التبادل للسباب والشتائم بدأت الزوجة في جمع أمتعتها للعودة إلى بلادها حيث قررت أن تنتظر الصباح ثم تذهب إلى غير رجعة.

في هذه الأثناء شعر الرجل بآلام حادة في جسمه حيث استدعت له زوجته سيارة الإسعاف التي نقلته إلى أحد المستشفيات دخلت الزوجة عند الطبيب لتخبره بان زوجها منفعل للغاية نتيجة لخلاف وقع بينهما ومما زاد وضعه النفسي تعقيداً انها كانت مصممة على العودة إلى بلادها وطلب الطلاق منه، وعندما سألها الطبيب عن سبب ذلك أخبرته بأنه يشرب ويدخن كثيراً جداً وعندما يسكر يصبح عنيفاً وعصبياً للغاية لدرجة انه ضربها على وجهها.

كان والد الزوج واقفاً يسمع ما تقوله زوجة ابنه حيث أيدها فيما تقول، وطلب من الطبيب الإسراع في إنقاذ حياة ابنه بأية وسيلة، عندما تم قياس نسبة الكحول في الدم وجدها الطبيب عالية جداً، لذا بدأ تركيز الأطباء على محاولة تخفيف أثار الكحول على القلب.

بعد مرور نحو «12» ساعة في غرفة العناية المركزة بدا الرجل قادراً على فتح عينيه، كانت أعضاؤه الداخلية «القلب ـ الكليتان.. الخ». تعمل بشكل عادي، إلاّ أن الرسم الرنيني للدماغ كان يشير إلى أن هناك خللاً ما في الدماغ وكأن المشروب أثر على كثير من خلايا دماغه.

بدأت حالة الدماغ تسوء وبعد مرور يومين أعلن الأطباء أن الرجل قد توفي من الناحية الدماغية، رغم أن أعضاء جسمه الداخلية لا تزال تعمل. شكلت هذه الأخبار صدمة لوالده الذي طلب نقله إلى لندن أو أي مكان آخر لعلاجه إلاّ أن الأطباء أقنعوه بانه لا فائدة من ذلك.

مرت الساعات ثقيلة على الوالد، وأخيراً أخبروه بان ابنه قد توفي، في هذه اللحظة المأساوية تقدمت سيدة منه وهي تبكي وتقول له لقد عرفت ما حدث لأبنك لذا أرجوك أن تنقذ حياة ابني الذي يشارف على الموت بسبب خلل في كليته فقد أصيب في كليته اليسرى وتم استئصالها بعملية وها هي كليته اليمنى قد أصيبت هي الأخرى والأطباء يقولون بانه يجب استئصالها لذا أرجوك ان تتبرع لابني بكلية ابنك.

أحس الرجل بآلام المرأة وقال للطبيب أنا متبرع بأعضاء ابني الداخلية «القلب والكليتين» لمن يحتاج وأرجوكم ان تعطوها لمن يحتاج مجاناً لعل الله يرحمه. تم دفن الزوج، فيما ذهبت الزوجة إلى سفارة بلادها لتساعدها في الحصول على حقوقها بعد وفاة زوجها.

زرع الأعضاء

تقدمت المرأة بالشكر الجزيل إلى هذا الرجل الطيب الذي ساعدها على أن تنقذ حياة ابنها، بدأت الفحوصات المخبرية لمعرفة ان كان جسم الشاب الذي سيحصل على إحدى الكليتين سيتقبل ذلك أم لا وكانت نتائج الفحوصات مشجعة إلى حد كبير مما يعني أنه بعد تناول الأدوية فان الجسم لن يرفض الكلية.

لم تمض «24» ساعة حتى كان الشاب ينعم بكلية جديدة جعلته يشعر بالسعادة والفرح وكذلك والدته وأهله. في نفس الوقت أجريت عمليتا زرع للكلية الأخرى وللقلب لشاب وفتاة، حيث خرجوا الثلاثة متعافين إلى بيوتهم طلب المستشفى من الأشخاص الذين زُرعت فيهم هذه الأعضاء أن يعودوا إلى الفحوصات الدورية وان يحافظوا على أخذ الأدوية بانتظام حتى لا ترفض أجسامهم الأعضاء الغريبة.

بعد نحو أربعة أيام كان الأشخاص الثلاثة الذين تلقوا الأعضاء قد عادوا إلى المستشفى وهم يشعرون بآلام حادة كانت الآلام تتركز في البطن والرأس، بدأ الأطباء يعيدون إجراء الفحوصات على عينات الأدوية التي يتناولها المرضى فوجدوا بأنها مناسبة جداً، وأن أجسامهم يمكن أن تتقبل تلك الأعضاء دون أن ترفضها.

بدأت رحلة المعاناة مع الأشخاص الثلاثة، وكان الأطباء يحاولون ان يعطوهم أدوية قوية كي تتقبل أجسامهم الأعضاء التي تم زرعها فيهم. بدأ الوضع يصبح حرجاً للغاية عندما توفيت الفتاة، وبعدها بثلاثة أيام مات أحد الشباب ثم بعد ذلك بفترة لا تتجاوز الأيام الأربعة مات الشاب الثالث.

شكل ذلك مأساة لأهلهم حيث ذهبوا ورفعوا دعاوى قضائية ضد المستشفى، تم تحويل الجثث الثلاث إلى المختبر الجنائي التابع للشرطة حيث بدأ الخبراء في فحصها وتحليل كل شيء بشكل دقيق للغاية، وهنا تبين أن سبب الوفاة ليس رفض أجسامهم للأعضاء الجديدة التي تم التبرع بها ولكن بسبب وجود معدن «السيلينيوم» السام جداً الذي يسبب تدميراً لخلايا الدماغ على مراحل.

من خلال مراجعة الأدوية التي أخذها الأشخاص الثلاثة أشارت تقارير المستشفى إلى أن أحداً لم يأخذ دواءً يحتوي على هذا المعدن، لكن موتهم جميعاً بهذه الطريقة وبسبب هذا المعدن كان كفيلا بان يثير تحقيقاً واسعاً في المستشفى خاصة وانهم ماتوا في فترات متقاربة.

لم يكن المسؤولون في المستشفى قادرين على تحديد السبب الحقيقي لهذه الفاجعة، ولا كيف وصل هذا المعدن إلى أجسامهم لذا انتقل الملف كاملاً إلى مختبر البحث الجنائي وأخيراً وبعد تحليلات للحمض النووي «خء» لكل واحد منهم قرر الضابط الذي يتابع القضية استخراج جثة الرجل الذي تبرع بتلك الأعضاء وإجراء تحاليل كاملة عليها فان وجُد فيها أثر للمعدن عندها يكون الضابط قد وصل إلى السر وراء موت الأشخاص الثلاثة.

من خلال تحليل الأسنان تبين أن جثة المتبرع كانت تحتوي على كمية كبيرة من معدن السيلينيوم وهذا يعني أن المعدن السام قد انتقل إلى الأشخاص الثلاثة من خلال الأعضاء التي أخذوها من المتبرع.

بدأ التحقيق يأخذ منحى آخر حيث أكد الأطباء في المستشفى بأنهم كانوا يعالجون الرجل من الإدمان على الكحول والتدخين الشره وأنهم ركزوا كل اهتمامهم على قضية الإدمان وان الأدوية التي كان يأخذها لم تكن تحتوي أبداً على السيلينيوم، تأكد المختبر الجنائي بان المستشفى غير متورط في هذه القضية من خلال كشف الأدوية التي كان يعطيها المستشفى للرجل، لكن السؤال هو كيف وصل هذا المعدن إليه.

أصابع الاتهام تشير إلى الزوجة

من خلال قراءته للأحداث وصل ضابط التحقيق إلى أن العلاقة بين الرجل وزوجته كانت سيئة جداً، فقد أشارت الخادمة التي كانت تعمل في البيت بان الخلافات الزوجية كانت تنتشر في كل زاوية بالبيت كل يوم وليلة وان هذه الخلافات كانت تصل في معظم الأحيان إلى الضرب من قبل الجانبين.

وصل ضابط التحقيق إلى قناعة بان لا أحد له مصلحة في موت الرجل إلاّ زوجته، وهنا تم استدعاء الزوجة للتحقيق معها، كانت الزوجة قد رفعت دعوى قضائية تطالب فيها بحقها الشرعي في الميراث، إضافة إلى مبلغ «80» ألف دولار كمستحقات وفقاً لاتفاق بينها وبين زوجها.

في جلسة التحقيق قالت الزوجة بانه فعلاً كانت هناك مشاكل كثيرة بينها وبين زوجها بسبب رفضه اعطاءها المبلغ الذي وعدها به كي تتزوجه وهو «100» ألف دولار حيث دفع لها «20» ألف دولار فقط وانه لم يعطها بقية المبلغ.

هنا وجه لها الضابط تهمة قتل زوجها لكن المرأة رفضت هذه التهمة قائلة بان زوجها مات بسبب تعاطيه المفرط للكحول، كانت المرأة تتصرف بعصبية واضحة، تمت مراقبة حركات جسدها ويديها خاصة أصابعها حيث أشار الطبيب الخاص بقراءة لغة الجسد إلى أن المرأة تكذب وطلب من الضابط الذي يقوم بالتحقيق معها اخضاعها لجهاز الـ «polygraph» .

وبعد ثلاث جلسات على الجهاز كانت تظهر على شاشة الجهاز جملة تقول «The person is lying» الشخص يكذب رغم أن الضابط تأكد من كذب المرأة أراد ان يستنفد كل ما لديه من أجهزة علمية حيث تم اخضاعها لجهاز الـ «حة» وهو أحدث جهاز للكشف عن المجرمين في العالم فهو مزود بأذرع تقيس ضغط الدم وضربات القلب وزيادة نسبة التنفس وزيادة نسبة التعرق وزيادة نسبة هرمون الأدرنالين في آن واحد، حيث أشار خبراء المختبر الجنائي بان السيدة تكذب وان هناك شيئاً تخفيه.

بعد هاتين النتيجتين من هذين الجهازين العلميين المتطورين ومواجهة السيدة بهما رفضت رفضاً قاطعاً ذلك وقالت بانه لا علاقة لها بقتل زوجها، هنا وجد الضابط بانه لابد من استخدام جهاز «M» حيث اعترفت بعد ذلك بانها كانت تضع لزوجها مادة السيلينيوم السامة في الكحول وان الذي أرشدها إلى ذلك صديقها الذي كانت على علاقة به عندما كانت في بلادها وانه هو الذي كان يزودها بالسيلينيوم على شكل سائل يوضع في علبة دواء.

وقالت بانها اتفقت مع صديقها على الزواج منه وعودة المياه إلى مجاريها بعد الخلاص من زوجها، الذي ضغط عليها للزواج منه بعد ان عرض عليها هذا المبلغ الكبير وهو «100» ألف دولار. وأضافت بان زوجها لم يكتف بانه رفض اعطاءها بقية المبلغ بل كان يأخذ منها فلوسها واعداً بانه سيعيدها لها لكنه لم يفعل أبداً، إضافة إلى أنه كان يعاملها معاملة سيئة. تمت إحالة المرأة والملف والتقارير الطبيبة وتقارير المختبر الجنائي إلى المحكمة.