العريس



عندما شاهد الضابط وجه الضحية لم يتخيل بأنه يمكن لإنسان مهما كان فظ القلب أن يعذب ويقتل ضحيته بهذا الشكل فقد كانت مكسرة الأسنان، وجمجمتها مهشمة بصورة شبه كاملة، كانت الجريمة بشعة بكل المقاييس ومن الواضح أن وراءها انتقاماً.

البحث عن القاتل

كانت أوامر الضابط المسؤول عن متابعة القضية صريحة ومشددة وهي ضرورة القبض على القاتل بأي ثمن كان. الضابط ينتظر تقرير المختبر الجنائي، حيث أرسلت الجثة إلى هناك، وكان في الوقت ذاته ينتظر من يجيء ليخبره عن تغيب فتاة لعلها تكون هي الضحية فيقوده ذلك للوصول إلى القاتل.

بعد أقل من أربع وعشرين ساعة جاءت سيدة تقدم بلاغاً يفيد بتغيب خادمتها، وهنا سألها الضابط بعض الأسئلة عن الخادمة من حيث الطول واللون والشكل والشعر فوجد بأن الضحية قد تكون هي الخادمة.

أخذ الضابط السيدة إلى مستشفى المختبر الجنائي حيث تعرفت على الضحية قائلة إنها هي خادمتها، سأل الضابط السيدة إن كان للخادمة أي أعداء فقالت انها لا تعرف وفي أغلب الظن ليس لها أعداء كما أنها في جميع الظروف لا تذهب إلى خارج البيت وحدها بل مع أحد من أفراد البيت وبالتالي فلو كان لها أعداء فإن البيت سيعرف ذلك، سأل الضابط إن كان لها أصدقاء من جنسيتها من الرجال فقالت السيدة انها لا تعرف وأغلب الظن.. الجواب لا.

لكن السيدة أبدت استغرابها أن تموت خادمتها بهذه الطريقة وأن يلقى بها في مكان بعيد في مكان خاص لإلقاء القمامة. بعد أن جاء تقرير المختبر الجنائي بدأت الأمور تتضح فقد تبين بأن الضحية في العشرين من عمرها وأنها ليست عذراء حيث وجد سائل ذكوري في جسمها، أما سبب الوفاة وفقاً لتقرير المختبر الجنائي فهو تعرضها لعدة ضربات على وجهها ورأسها بأداة ثقيلة ما أدى إلى ارتجاج في المخ ونزيف داخلي وتهشم في الجمجمة.

طلب الضابط أخذ جزء من السائل الذي وجد في جسم المرأة وتحليله ومعرفة ال«DNA» الخاص به حيث سيكون هو الخيط الرفيع الذي سيرشد إلى القاتل. أمر الضابط صاحب البيت والسائق بالحضور إلى المختبر الجنائي، حيث تم أخذ عينات من شعرهما وتحليلها ومقارنتها بال«DNA» الخاص بالسائل الذي وجد في جسم المرأة وبالمقارنة تبين بأنه لا يخص أحداً منهما حيث تم الإفراج عنهما.

وجد الضابط بأنه لابد من البحث عن صديق لتلك المرأة أو رجل آخر يكون اغتصبها وعندما قاومته قتلها بهذه الطريقة البشعة. لم يكن البحث سهلاً فالرجال من جنسية هذه المرأة يملأون المدن شرقاً وغرباً.

تم استدعاء السائق لأخذ أقواله حيث أفاد بأنه خلال عمله في البيت عند مخدومه لم يلاحظ شيئاً على المرأة فقد كانت فتاة مستقيمة وفقاً لمشاهداته، كما أفاد أيضاً بأنه لم يلاحظ عليها أنها تخرج من البيت بدون أحد من أهل البيت، لذا أرجع عملية القتل إلى السرقة لكن الضابط أخبره بأن الأمر غير ذلك لأنه تم العثور على بعض النقود في جيب فستانها إضافة إلى خاتم من ذهب وسلسلة من الذهب أيضاً لذا استبعد الضابط إمكانية السرقة مؤكداً أن الجريمة وقعت بدافع الانتقام، حيث ان عملية القتل وبشاعتها تدل على أن الانتقام كان هو المحرض على القتل. أما صاحب وصاحبة البيت فقد أكدا من جديد أن خادمتهما ليست لها أية علاقات خاصة مع أي رجل.

البحث عن المشبوهين

بدأت الشبهات تحوم حول المشبوهين وأصحاب القضايا السابقة حيث تم استجوابهم وأخذ عينات من لعابهم أو شعرهم وتحليلها إلا أنه بعد التحليل لم يتم تطابق تلك العينات مع ال«DNA» للسائل الذي وجد في جسم الفتاة وعلى ثيابها.

أصبح أمر مقتل تلك الفتاة محيراً، وأخيراً لجأ الضابط المسؤول عن القضية إلى المستشفيات العامة والخاصة وطلب منها الإبلاغ عن أي شخص يتم تحليل دمه أو بوله أو لعابه أو شعره ويكون مطابقاً لنوع ال«DNA» الذي يبحثون عنه لكن وبعد ستة أشهر لم يتوصل إلى أية نتيجة. في هذا الوقت جاءت العائلة بخادمة جديدة جنسيتها غير جنسية الخادمة الأولى، وبدأت الأمور تستقر وتنسى العائلة أمر الخادمة الأولى التي قتلت في ظروف غامضة.

من جانبه قرر السائق أن يغادر إلى بلاده كي يتزوج ولأن التحقيقات دلت على أنه غير متورط في قضية الخادمة حيث أثبتت تحليلات ال«DNA» الخاصة به بأنه بريء لذا سمحت له الشرطة بالمغادرة، إلا أن أموراً حدثت عقدت كل شيء ففي صباح اليوم الذي كان من المفترض أن يغادر فيه السائق إلى بلاده ذهبت الخادمة لتطلب منه الاستعداد لكي يأخذه صاحب البيت إلى المطار تفاجأت الخادمة بأن السائق يسبح في بركة من الدماء.

استدعى صاحب البيت الشرطة التي حضرت لإسعاف السائق حيث تم أخذه إلى المستشفى الخاص بالمختبر الجنائي، حاول الضابط الذي بدأ يتابع القضية استجواب السائق لكن الأطباء أخبروه بأن حالته الصحية لا تسمح بذلك فقد نزف الكثير من الدماء وهو فاقد للوعي وإذا استمر على هذه الحالة فإنه قد يموت.

كان تقرير المختبر الجنائي يشير إلى أن السائق تلقى ضربة قوية من سكين طولها ما بين (12 ـ 14سم) في فخذه اليمنى وضربة أخرى في بطنه وضربة ثالثة في يده اليمنى فعلى ما يبدو أنه حاول الدفاع عن نفسه فالذي هاجمه كان يريد أن يضربه بالسكين في قلبه أو رأسه لكنه تحاشاها بيده.

بدأ الضابط تحقيقاته واستجوابه لأهل البيت الذين أكدوا بأنهم لا يعرفون عن الأمر شيئاً وأن السائق كان فرحاً لأنه كان سيغادر إلى بلاده، إلا أن صاحب البيت قال لقد جاء ثلاثة من أصدقاء السائق لوداعه ثم خرج قائلاً انه يريد أن يتناول العشاء معهم، وأضاف صاحب البيت ان السائق تأخر ومع ذلك فإن أحدا لم يهتم كثيراً لتأخره لأن لديه مفتاحاً للبوابة الخارجية.

وأكد الرجل بأنه ذهب للنوم هو وزوجته وأولاده قبل أن يحضر السائق وإن الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلاً، وعندما سأله الضابط إن كان من عادة السائق أن يتأخر في السهر هكذا قال الرجل ان هذه أول مرة والسبب في ذلك هو أنه يريد أن يغادر إلى بلاده ولا بأس في أن يسهر ليلته الأخيرة مع أصدقائه.

بعد معاينة غرفة السائق تبين بأن شيئا لم يسرق منها حتى الفلوس التي كانت على الطاولة بالقرب من سريره وخاتماً من الذهب وجدا في مكانيهما. طلب الضابط معاينة المكان بدقة وأخذ جميع البصمات والبحث عن السكين أداة الجريمة لعل البصمات التي عليها ترشد إلى الفاعل.

في هذه الأثناء كان الضابط يتابع حالة السائق الصحية حيث خرج من غرفة العناية المركزة وتعدى مرحلة الخطر لكنه لا يزال غير قادر على الكلام أو حتى على فتح عينيه. حاول الضابط ربط هذا الاعتداء بقتل الخادمة لكنه لم يجد صلة مباشرة، فكلا الحالتين يختلف بعضهما عن بعض، لكن الحلقة الضائعة في قتل الخادمة والاعتداء على السائق كادت أن تجعل الضابط يفقد صوابه.

خلال البحث في غرفة السائق عن دليل لم يتم التوصل إلى أي شيء، حتى البصمات لم تكن موجودة على الملابس أو الأغراض الخاصة بالسائق، فعلى ما يبدو أن الرجل أو الرجال الذين قاموا بالاعتداء على السائق كانوا يلبسون قفازات في أيديهم ما يجعل بصماتهم لا تظهر على مسرح الجريمة.

كانت الشبهات تحوم حول الأصدقاء الذين سهروا معه في آخر ليلة فلعل أحدهم رجع معه بنية الانتقام منه، بدأت الشرطة تتحرى عن أصدقاء السائق الذين سهروا معه لكنها لم تعثر عليهم لأنها لا تعرفهم كما أن صاحب البيت قال انه لم يشاهدهم قبل هذه الليلة.

اتصال من المستشفى

في صباح أحد الأيام تلقى الضابط الذي يتابع القضية اتصالا من مستشفى المختبر الجنائي يقول ان السائق بدأ يتكلم ويمكن استجوابه. ذهب الضابط مسرعاً إلى حيث السائق وعندما سأله الضابط عن الشخص الذي اعتدى عليه قال السائق انه لا يعرفه، وعندما سأله الضابط أين وقع الاعتداء، قال السائق انه وقع خارج سور البيت وأن شخصا لم يتمكن من مشاهدة وجهه هاجمه وعلى ما يبدو كان يريد أن يسرقه، وعندما قاومه هجم عليه بالسكين.

هنا أحس الضابط بأن السائق يكذب فقد بدأ حلقه يجف وهو يتكلم كما أن حدقتي عينيه كانتا تتحركان بسرعة وباتجاهات مختلفة. ربت الضابط على كتف السائق وقال له لا عليك سنجد الشخص الذي اعتدى عليك، ويمكنك أن تعود إلى بيت مخدومك حتى تستقر حالتك ثم تسافر.

أمر الضابط بمراقبته جيداً ومراقبة اتصالاته الهاتفية. بعد أن خرج الضابط تحامل السائق على نفسه وأجرى اتصالا هاتفيا مع صديق له وطلب منه أن يحضر لأخذه من المستشفى ليبقى عنده حتى يسافر إلى بلاده. وعندما سأله الصديق لماذا لا تعود إلى بيت الرجل الذي تعمل عنده؛ قال السائق لأن من يريد قتلي موجود في تلك المنطقة وقد يعاود محاولة قتلي من جديد إن شاهدني حياً.

بدأ الضابط يمسك بطرف الخيط، حيث عاد من فوره إلى السائق وطلب منه أن يستعد للخروج ليأخذه إلى بيت مخدومه لكن السائق رفض ذلك قائلاً انه يريد أن يبقى في المستشفى حتى يحضر صديقه ليأخذه عنده، هنا قال الضابط عليك أن تستعد لأخذك إلى بيت مخدومك وهذا أمر.

رفض السائق الذهاب مع الضابط ليعيده إلى بيت مخدومه، وهنا خيّره بقول الحقيقة أو السجن، فقال السائق انه لم يفعل ما يوجب سجنه فهو المعتدى عليه وليس المعتدي. أخذ الضابط يضغط على السائق حتى بدأ يعترف، حيث قال ان الخادمة القتيلة كانت على علاقة برجل صاحب البقالة التي تقع مقابل البيت الذي كان يعمل فيه، وكان صاحب البقالة ينفرد بها مقابل إعطائي مبلغا من المال على سكوتي.

وأضاف في يوم حدثت مشاجرة عنيفة بينهما، حيث تبين أن صاحب البقالة رفض الزواج بالخادمة كما وعدها، لذا بدأت تشتري احتياجات البيت من بقالة أخرى وهنا جن الرجل فقد خسر علاقته الخاصة بالخادمة وكذلك خسر المال الذي أصبح يذهب إلى بقالة أخرى، ولكي تنتقم الخادمة من صديقها أوحت له بأنها على علاقة عاطفية بصاحب البقالة الثانية.

هنا طلب صاحب البقالة الأولى أن يلتقي بها ليتفاهما لكنها رفضت، عندها لجأ إلي كي أساعده على اللقاء بها وفعلا أخذتها إلى مكان بعيد في السيارة دون أن تعرف أن صديقها القديم ينتظرها هناك. وقال لم أشأ أن أبقى معهما بل ابتعدت قليلا بالسيارة وبعد نحو نصف ساعة اتصل بي الرجل وعندما عدت إلى المكان أخبرني بأنه اغتصب الخادمة وقتلها لأنها رفضت العودة إليه، وعندما قلت له ان عليّ أن أخبر صاحب البيت عرض علي مبلغ (3000) دولار مقابل سكوتي فوافقت.

وأضاف بعد فترة حضرت أخت القاتل من بلادها تبحث عن عمل وكثيرا ما كانت تجلس على الصندوق في البقالة في غياب أخيها فتعرفت عليها وأصبحنا أصدقاء، وعندما طلبتها للزواج رفض أخوها ذلك بحجة أنني أعرف شيئاً وقد أبتزه أو أخبر أخته عن ذلك، وهنا طلبت من الفتاة أن تعود إلى بلادها حيث سأطلبها من والدها وأتزوجها هناك، وكانت الأمور تسير على ما يرام لولا أن والد الفتاة اتصل بابنه وطلب منه العودة إلى بلاده لحضور زفاف أخته.

وهنا بدأ القاتل يتحدى فعرف بأنني أنا الذي سأتزوجها وأنني أجهز نفسي للسفر، وفي ساعة متأخرة من الليل حضر وطلب مني أن لا أتزوج أخته لكنني رفضت، فهجم عليّ بالسكين يريد قتلي وحدث ما حدث. تم التحفظ على السائق كما تم اعتقال صاحب البقالة الذي قتل الخادمة والذي اعترف بما نسب إليه، حيث وضع الاثنان في السجن وتم ترحيلهما إلى المحكمة.