حكايات عن غسان
مقال للكاتب: حسن مدن
من عمود شيء ما
دار الخليج
بدأ حياته المهنية مُعلماً في مخيم فلسطيني بسوريا، يتذكر أنه واجهته صعوبات جمّة مع الأطفال الذين درّسهم في المخيم، فقد كان يغضب دائماً لدى مشاهدته طفلاً نائماً أثناء الدرس . بعد حين وقف على السبب: كان هؤلاء الأطفال يعملون في الليل، يبيعون الحلوى أو العلكة في دور السينما والطرقات، ويأتون الى الفصل الدراسي وهم في غاية التعب .
مرةً كان عليه، التزاماً بالمقرر الدراسي المعتمد في سوريا، أن يعلّم الأطفال رسم تفاحة وموزة، ولم يكونوا قد اعتادوا في ظروف معيشتهم الصعبة رؤية هذه الفواكه، ناهيك عن أكلها، كانت العلاقة بينهم وبين هذه الرسوم متوترة .
بسرعة محا الرسم عن اللوحة وطلب من الأطفال أن يرسموا المخيم، وبعد بضعة أيام عندما جاء المفتش أنّبهُ لأنه حاد عن البرنامج الدراسي المقرر، مما يعني أنه معلم فاشل .
حالات مثل هذه قادته إلى جذور المشكلة، فقد تبين له، مثلاً، أن نوم الطفل ليس ناجماً عن كرهه للعلم، كما لم يكن للأمر علاقة بكرامته كمعلم كما كان يتوهم، بل كان مجرد انعكاس لأزمة اجتماعية ومعاناة إنسانية كبيرة .
وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم في المخيم وسط جو معيشي حياتي خانق، وكان عليهم أن يعملوا ليساعدوا آباءهم وأمهاتهم في تدبر أمور العيش . وتلك كانت أولى التجارب التي قادته الى الوعي بقضية شعبه، التي باتت قضيته هو شخصياً حتى دفع حياته ثمناً لها، حين مزقته قنبلة وضعها “الموساد” في سيارته ببيروت وهو يهم بصعودها متجهاً إلى مقر عمله في جريدة “الهدف” التي كان يرأس تحريرها .
الحديث يدور عن الشهيد غسان كنفاني، الذي قابل الدكتور جورج حبش في دمشق مصادفة للمرة الأولى . كان يعمل يومها مُصححاً في مطبعة، وان كان لا يتذكر اسم الشخص الذي عرّفه إلى “الحكيم”، فإنه يتذكر أن هذا اللقاء قادهُ إلى صفوف حركة القوميين العرب .
بعد حين كان عليه أن يدرك محدودية فكر الحركة في استيعاب الواقع الفلسطيني والعربي المعقد، فيندفع نحو آفاق أرحب في الفكر والسياسة .
قبل رحيله بقليل شاهد إحدى قصصه التي كتبها مطالع الستينات وقد صارت فيلماً سينمائياً، فوجد أن الحوار بين الشخوص وطموحاتهم تعبر عن مفاهيم أكثر تطوراً مما كان هو عليه لحظة كتابة القصة . يومها أدرك أن شخصيته كروائي سبقت تطوره السياسي .