|
|
![]()
عندما كشف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي منذ أكثر من عامين في إحدى جولاته التفقدية عن تكدس الملفات في صناديق مبعثرة في مخازن إحدى الوزارات كانت تلك المشاهد أشبه ما تكون بالخيال الذي لا يمكن أن يصدقه عاقل يدرك ما وصلت إليه الإمارات من تطور وتقدم في مختلف المجالات.
ولان تلك الصور النمطية للمخازن قد اختفت تقريبا من بعض المؤسسات والدوائر في الدولة، فإن الأمل يحدو كثيراً من الموظفين في أن تزول معها أنماط أخرى للإدارة يمكن أن نسميه نمط الإدارة «الشفوية»!
ففي الوقت الذي تتجه فيه حكومة دولة الإمارات لجعل تعاملاتها الكترونية بعيداً عن الورق، إلا أنه مازالت هناك مؤسسات وهيئات ودوائر تصر على إدارة شؤونها شفوياً وليس ورقياً فحسب، فتتعامل مع الموظفين والمراجعين وغيرهم شفوياً حتى وهي تصدر تعليمات وتوجيهات، أو تفرض إجراءات في غاية الأهمية، بل وتطالب الجميع بالالتزام بما يصدر عنها، في الوقت الذي لا تحمّل نفسها فيه عناء كتابة ولو سطر واحد يثبت قدرتها على تحمل مسؤوليتها في إصدار القرارات.
لكن ذلك على ما يبدو أصبح في عداد المفاهيم الإدارية التي يعمد إليها مسؤولون ليس لأنهم أميون، أو لأنهم جاهلون بالتكنولوجيا، إذ لو كان الأمر كذلك لما وصلوا إلى مناصب قيادية، يمثلون فيها الحكومة، ويتولون دولة بمؤسساتها وشعبها، لكن الحقيقة تكمن في أنهم على الرغم من معرفتهم وتمكنهم الكترونياً، إلا أنهم يتركون لأنفسهم مساحة للتراجع والتنصل من قرارات اتخذوها دون أن يكون على ذلك دليل.
حائلين صغار الموظفين لديهم إلى ضحايا أخطاء قرارات وإجراءات إدارية طبقوها بناء على ما تلقوه من تعليمات، إلا أنهم يقفون في ساعة الحساب وحدهم دون المسؤولين الذين لا يكتفون بما تسببوا فيه بل يقفون مع إداريين آخرين ليحاسبوا من نفّذ تعليماتهم وتوجيهاتهم، وليلقوا باللائمة عليهم لأنهم لم يكونوا بالدقة والحرص المطلوبين في عملهم. أما الموظف المسكين فلا يملك حتى حق الدفاع عن نفسه وتبرير تنفيذ قرار لم يقتنع به، بل أجبر عليه بتوجيهات مديره رغم أن نتائجه وخيمة، لاسيما إن كان ذلك متصلاً بشؤون مالية.
الإدارة الشفوية نمط حقيقي موجود في بعض مؤسسات الدولة، وهو الذي يفسر أسباب تعطيل أو تأخير أو الخطأ في انجاز بعض المعاملات، ويفسر عجز الميزانيات، ويفسر تخلف بعض الموظفين في أدائهم بسبب وجودهم في إدارات أوصلت الموظفين لمرحلة ألغت فيه التفكير لديهم وإبداء الرأي حتى في المسائل التي لا يختلف اثنان على وجود الخطأ فيها. ويفسر لنا وجود مسؤولين يمتلكون ما لا نهاية له من الصلاحيات.
وهم ليسوا أهلاً لذلك لأنهم لا يتحملون مسؤولية قراراتهم، ويصرون على البقاء في مناطق ضبابية لا تتضح الصورة فيها لموظفيهم ولا المراجعين ولا حتى لمن وضعوهم في مواقع المسؤولية، محدثين فوضى عارمة لا نظام فيها إلا لصوت واحد يلغي كل الأدوات بدءاً بالتفكير وانتهاء بالسوفت وير، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن مستقبل الحكومة الالكترونية في زمن تئن فيه المؤسسات من إدارات شفوية!!