القاصي قبل الداني يدرك خير الإمارات وأهلها، ويستوعب حرص الدولة ومن فيها على إغاثة الملهوف وسد حاجة المعوز والتفريج عن المكروب، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وهو الأمر الذي دعانا للاطمئنان على الأخت مها الحوسني ووالدتها التي نشرت قصتهما منذ أيام الزميلة «الإمارات اليوم».

فحسب الصحيفة عاشت مها التي لم تتجاوز 13 عاماً، ووالدتها في سيارة، بعدما تركتا غرفة الإيجار التي كانت مأوى لهما، لأن بلدية دبي قطعت الكهرباء عن المسكن كاملاً، لحث السكان على مغادرته كون معايير السلامة غائبة عنه.

أحد رجال الأعمال تبرّع بشقة جاهزة، وما تتطلبه من خدمات، وعرض النادي الأهلي شقة أخرى على مها ووالدتها لحين تؤمن لها الجهات الحكومية سكناً ملائماً، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تبعت تلك المبادرات متابعات جهات مسؤولة كصندوق الزكاة، وساهمت في جمع تبرعات للفتاة.

على الرغم من سعادتنا بهذه الوقفة الاجتماعية التي جدد فيها المجتمع الإماراتي شهامته وأصالته نحو بنات الوطن وغيرهن، إلا أن هذه السعادة لا تعني رضانا بحلول مؤقتة يتم اللجوء إليها لانتشال مها وغيرها من أبناء وبنات الوطن من الشوارع، بعد تخلّي الآباء عن مسؤولياتهم نحو أفراد أسرهم لمجرد وقوع الطلاق بين الزوج وزوجته.

فالطلاق عندما يقع لا يعني انتهاء مسؤولية الأب تجاه أفراد أسرته، ولا يعني التنازل عن حضانة الأطفال، وبطبيعة الحال التخلي عن الأدوار الواجبة على الأب نحوهم.

الطلاق والتنازل عن الحضانة يفرضان قلقاً أكبر يعتري الوالد على أبنائه وبناته، كونهم سيعيشون بعيداً عنه، حتى وإن كانوا سيبقون في رعاية والدتهم، فذلك هو الأمر الطبيعي والمتوقع من أيّ أب، وليس الهروب، كما حدث في قصة مها وغيرها من الأبناء، عندما اكتنفت الشجاعة آباءهم عند الزواج، لكنها فارقتهم عند تحمل مسؤولية الأبناء.

لو قبل المجتمع الإماراتي بهذه الحلول المؤقتة فإنه سيحيل هذه الحلول إلى دائمة، وستكون سبباً في استهتار آباء آخرين وتخليهم عن مسؤولياتهم، كونهم يدركون أن لا جهات قانونية ستلاحقهم وتقاضيهم، وكونهم يدركون أيضاً أن أصحاب الأيادي البيضاء في الإمارات سيهرعون للأخذ بأيدي ضحاياهم نتيجة الطلاق.

لا نحمل الدولة مسؤولية مشكلة مها ووالدتها، فوزارة الشؤون الاجتماعية تدفع لهما شهرياً 4000 درهم، والجهات الأخرى ستسعى للبحث عن مأوى دائم يضمهما. لكن المجتمع ومؤسساته القانونية لابد أن تضع حداً لاستهتار الآباء وتخليهم عن مسؤولياتهم، ولابد أن تتأكد من انتهاء قضايا الطلاق بحقوق تؤدى لجميع الأطراف فيها دون ضرر أو ضرار.

المساعدات التي تلقتها مها ووالدتها ستتكفل بتأمين أوضاعهما لفترة، لكن السؤال الذي لابد من طرحه: ما هي ردة فعل رب الأسرة على صورة ابنته وطليقته التي تصدرت صحيفة محلية، والتي تم تداولها عن طريق الإنترنت حتى وصلت إلى خارج حدود الإمارات، فأثارت تساؤلات أكبر لدى من عرفوا صورة أخرى لمجتمع الإمارات، إلا أنهم فوجئوا بصورة مها التي نقضت الكثير من تلك الصورة الجميلة.

فمستوى الرغد الذي يعيش فيه أبناء الإمارات، والذي كان ومازال محل غبطة كثيرين خارج الدولة جعلهم لا يستوعبون اجتماع الصورتين في دولة واحدة؟!