نعم هناك من يسيئون للتطوع بقلم :ميساء راشد غدير عندما كتبنا أمس عن التطوع وأهميته، ومحاولة بعضهم إساءة استخدامه لأغراض شخصية أو لخدمة أهداف سياسية أو فكرية، اعتقد بعضهم أننا نبالغ فيما ذهبنا إليه، باعتبار أن التطوع لا يكون إلا للخير وفعل الخير، وهو الأمر الذي لا نختلف عليه مطلقاً، لكننا لا ننفي سوء استخدامه أيضاً من قبل محتالين، وعلى أيدي أفراد يحسنون النية في من يدعون حبهم ورغبتهم في التطوع فيقعون ضحايا لهم وللجهات التي يعملون لصالحها.

والمظلوم في ذلك هو «التطوع» الذي نخشى أن يكون مصيره في يوم من الأيام كمصير التبرعات الخيرية التي بدأ العالم يشكك في كثير منها، يوم ادعى إسهاماتها خلال سنوات مضت في دعم جهات سياسية وأخرى اعتبروها إرهابية، وهو الأمر الذي لم يتبادر إلى أذهان أي من المتبرعين الذين قاموا بذلك من منطلق مسؤولية تحملوها في الخير، وهو الأمر الذي لن يتبادر بطبيعة الحال أيضاً إلى أذهان أي من المتطوعين الذين تتم دعوتهم للمشاركة في أفعال خيرية وجمع التبرعات المالية والعينية منهم، أو الإيعاز إليهم بجمع التبرعات من الآخرين، وهنا تصبح الأمور في منطقة عالية الحساسية ومثيرة للجدل، إذ يختلط مفهوم التطوع بمفهوم التبرع.

ما ذكرناه سابقاً يوضح أسباب تطرقنا للكتابة عن المتطوعة الغربية التي اتخذت من دبي مقراً لتدير أنشطة تطوعية تحت شعارات مختلفة، تجمع من خلالها التبرعات التي يتم إرسالها إلى بعض الشركات الخاصة أو استلامها نقداً وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، وهو الأمر الذي يعكس غياب التنظيم الإداري في هذه المؤسسة التي اتخذت من دبي اسماً لها، وغياب الشفافية اللازمة لاسيما في التعامل مع الأموال لمعرفة مصادرها وسبل صرفها، مع التأكد من عدم صرفها في أغراض تتنافى مع توجهات الدولة.

لسنا ضد التطوع وإن كان من ضمن أنشطته جمع التبرعات، فالتطوع ظاهرة اجتماعية موجودة على مر العصور منذ بدء الخلق وحتى الوقت الحاضر، ولكنها تختلف في أشكالها ومجالاتها وطريقة أدائها، وفق توجهات وعادات وتقاليد تنسجم مع الثقافات والمعتقدات لكل دولة ومجتمع، فالمفهوم العام للتطوع هو بذل الجهد أو المال أو الوقت أو الخبرة بدافع ذاتي دون مقابل مادي، وهذا المفهوم بجزئه الأخير أصبح مغايراً لواقعنا الذي أصبح فيه التطوع بمقابل مادي، خشية أن تفقد المؤسسات الكثيرين من المتطوعين بعد أن أصبحت الغالبية تسعى وراء الربح المادي لا التطوع كمفهوم، وهذه الأرباح المادية أصبحت محل تساؤلات وشكوك لابد من حسمها.

لذا فإن ما نرجوه في هذا الوقت العصيب الذي أصبحت فيه المفاهيم الاجتماعية والإنسانية مرتبطة بدرجة كبيرة بالأموال، أن تسعى الجهات الحكومية لوضع آليات تنظم بها العمل التطوعي دون تجاوزات تمس الأفراد أو المؤسسات أو الدولة، وهو الأمر الذي تطبقه دول كثيرة لكي تنأى بهذا المفهوم عن الاستغلال الذي إن تمادى بعض الأفراد فيه، ابتعد الناس عنه في وقت قد تكون المجتمعات أحوج ما تكون للترابط بينها والاستفادة من الخبرات التي تتيحها.