لا ينبغي ان يستغرب القارئ وهو يقرأ عنوان مقال اليوم الذي يتحدث عن حقيقة بعض مناهج التعليم في دولة الإمارات، فعلى الرغم من تأكيدات صناع القرار في الدولة على أهمية التعليم بكونه الأداة الأهم في بناء الإنسان وتأهيله للمساهمة في تنمية الدولة، إلا أن كثيرا من تلك المناهج لا يسهم في تطوير المعرفة لدى الطلاب وفق متطلبات العصر الحالي، وبأساليب حديثة متبعة في دول تطور التعليم فيها رغم أن إنفاقات بعضها على التعليم تقل بكثير عما تنفقه الإمارات في مختلف المراحل لاسيما الابتدائية التي تعتبر الأهم.

فبعض تلك المناهج تحجر على الفكر وتجعله حافظا لا فاهما، ملقنا لا مناقشا، كارها لا محبا لمادة يعتبر دراسته لها ساعات تعذيب تبقيه في كهف مظلم. لا نبالغ فيما نصف أو نقول ويكفي أن نذكر مثالا على تلك المناهج لنحدد مدى استفادة الطلبة من محتوياتها فتتجلى الحقيقة المرة التي تؤكد على أن بعض المناهج وسيلة لتأصيل الجهل والنفور من التعليم!

في مادة الدراسات الاجتماعية لطلاب الصف الرابع الابتدائي الذين لم تتجاوز أعمارهم العاشرة، يتحدث أحدث الفصول الدراسية عن الاقتصاد في الإمارات. يزدحم الفصل بالمصطلحات والمفاهيم الاقتصادية التي لا يمكن أن يتخيل القارئ أنها موجهة لطفل العاشرة. فالمطلوب من الطالب تعريف النظام الاقتصادي وكيف انه مجموعة من المؤسسات والقوانين والأنشطة التي يعتمد عليها في اتخاذ القرارات.

ومطلوب منه أن يعرف المقايضة ويضرب أمثلة عليها، ومطلوب منه أن يعرف الأنظمة الاقتصادية الحديثة التي تتنوع بين اقتصاد حر، وموجه وآخر مختلط. ومطلوب من ابن العاشرة أيضاً أن يصنف اقتصاد الإمارات إن كان يدعم الاقتصاد الحر في التملك والعمل أو يتجه إلى الاقتصاد المختلط الذي يتنوع بين الاقتصاد الحر والموجه.

ولا تتوقف المطالب عند هذا الحد بل تمتد لتشمل الحديث عن ممتلكات الحكومة وممتلكات الأفراد وغير ذلك من المعلومات التي يعجز الطالب عن فهمها، ويعجز أكثر عن حفظها، وان حفظها فهو يتمنى قدوم الساعة التي ينتهي فيها من الامتحان سريعا ليزيح معلومات أرهقت ذهنه وأثقلت عليه بأمور قد لا يدركها من هم أكبر منه سنا وأكثر نضجا.

ما ذكرناه مجرد مثال على ما تتضمنه معظم مناهج التربية والتعليم في الدولة التي أصبح أولياء الأمور والطلبة يشعرون أنها سببا في نفور الطلبة من الدراسة، وسببا في جهلهم وتراجع مستويات ثقافتهم، ذلك أنها لا تقدر احتياجا .

ولا تصقل فكرا أو مهارة في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع، وزارة ومناطق تعليمية ومجالس تعليم عن خطط وبرامج لتطوير التعليم لدرجة أصبح الحديث فيها هو الغالب على الأفعال، فمتى يستوعب المسؤولون عن تلك المناهج أنهم جزء من تخلف التعليم في الدولة؟ ومتى يدركون ان بعض تلك المناهج عابثة بعقول الأبناء وقادرة على تهميشها وإعاقتها عن المساهمة في تنمية الدولة؟

إن الاستمرار في الحديث عن خطط متعددة في التعليم، والمبالغة في تنويع برامجه، والتغيير المستمر في مناهجه دون إدراك احتياجنا الحقيقي من التعليم شأنه القضاء على جيل كامل يرفض التفاعل مع هذه المناهج التي عجزت في الأصل عن استيعاب احتياجاته وتلبيتها. وهنا تكمن المصيبة الكبرى!!