نكمل اليوم حديثنا عن القطاع الصحي في الدولة والتراجع الذي يشهده على الرغم من كل التوجيهات بتطويره، ورغم الحاجة الماسّة لذلك، ورغم كل الميزانيات التي تنفق عليه الا انه مازال دون الطموحات ودون التوقعات المأمولة منه.

هذا القطاع لا نعرف اين مواطن الخلل فيه، وكيف يمكن معالجتها ما أمكن وباسرع وقت لتلبية احتياجات الافراد في المجتمع، لاسيما وان الانفاق على العلاج في الخارج قد تزايد، والاستياء من مستوى الخدمات الصحية في القطاعين الحكومي والخاص وصل لدرجة فقدان الثقة فيه من جانب قطاع كبير من المرضى.

القطاع الصحي في الإمارات بحاجة الى من يفتح ملفاته، ويبحث في جميع الأسباب التي أدت إلى تراجعه، وبحاجة اكبر الى من يمارس دور الرقابة عليه بعيدا عن المسؤولين عنه والقائمين على أموره كي نضمن موضوعية تنهض بهذا القطاع، الذي وصل الاستهتار في بعض الجهات العاملة فيه الى درجة لم تعد مقبولة حتى في الدول التي تقل في إمكاناتها وقدراتها عن الامارات.

والسبب قد يعود لغياب المراقبة والمحاسبة والمتابعة للقرارات الصادرة لتطوير هذا القطاع، فمن يتحمل مسؤولية قطاع صحي في النهاية لا ينبغي ان يكون هو نفسه المراقب والمحاسب، او من يجلد نفسه على أخطاء يرتكبها الأطباء او جوانب تقصير تثبت عليهم او على العاملين في تلك الجهات، فيعمد أحيانا للتستر عليها كونه يتحمل جزءا كبيرا من مسؤوليتها.

نسمع ونقرأ كثيراً عن اتفاقيات طبية مع كبرى المستشفيات العالمية، ومشاريع ضخمة في المجال نفسه، وتعلن مؤسسات ضخمة عن استثمار مبالغ في تطوير المستشفيات وتأهيل الكوادر، ونتابع الزيارات التي يقوم بها أطباء من الخارج.

لكن رغم كل ما سبق ورغم توقعات الأفراد بانعكاس ذلك إيجابا على القطاع الصحي الا ان شيئا من ذلك لا يحدث في قطاع، وجدت له كل المقومات ليكون الافضل الا انه لم يبرح مكانه، ولم يتقدم خطوة تضاهي خطوات الدول المتقدمة في الطب التي يستغرب الأطباء الزائرون، منها محاولة بعض المسؤولين في القطاع الصحي لاسباب مجهولة الحيلولة دون عملهم في مستشفيات الدولة ولو في مجال التعاون!!

ابنية المستشفيات والعيادات في زيادة مستمرة، حكومية كانت او خاصة، لكن الإضافة التي تقدمها تلك المؤسسات الطبية لا تتعدى الاضافة الشكلية التي لا يحتاجها المرضى بقدر احتياجهم لأطباء قادرين على التعامل مع مرضاهم وتقديم العلاج اللازم لهم.

لسنا متشائمين او سلبيين بالإطلاق، لكن قطاع الإمارات الصحي بحاجة الى جهة حكومية محايدة تنظر في امره، وتستطيع تحديد مواطن الخلل فيه، بدل الاكتفاء بالإنفاق المالي الضخم الذي لم يقدم حتى الان المطلوب منه رغم الحاجة الملحة لذلك.

وكما أن كثيرين يتحدثون بحرقة عن تراجع هذا القطاع النوعي فذلك لانه يدرك انه لا خير في مجتمعات أجساد أفرادها عليلة. ومن يعتقد ان وصف الواقع الصحي في الإمارات مبالغ فيه فليرجع إلى السنوات الأخيرة، ويرى كم يحمل الأرشيف من حالات وفيات ومضاعفات صحية تسبب فيها أطباء ومستشفيات، وليحصي عدد الأطباء الزائرين من وزراء صحة ورواد مؤسسات، قدموا الى الدولة ولم يستفد منهم بسبب مسؤولين في الصحة، وليس أحداً آخر، عندها سيدرك ان المبالغة لا تقع في أي شيء مما قلناه!!