في ظل الأزمة المالية العالمية التي أثرت على اقتصاد العالم بأكمله دون استثناء اتخذت بعض الشركات العاملة في القطاع العقاري وغير العقاري في الإمارات إجراءات تقلل بها التكلفة التشغيلية، ومن هذه الإجراءات التي نرى أنها تمت باستعجال دون دراسات وافية، إجراء تسريح الموظفين من شركات بادرت بتلك الخطوة التي جذبت بها شركات أخرى اندفعت نحو التسريح دون أن تتأكد من جدوى ذلك، ودون أن تفكر في تبعات قرار على مجتمع بأكمله سيتأثر نمو اقتصاده لقرارات كهذه.
كنا نأمل التريث في التسريح الذي راح ضحيته صغار الموظفين الذين تقل رواتبهم بكثير عن رواتب «الهوامير» في تلك الشركات، وكنا نتمنى لو تمت الاستعاضة عن التسريح بتجميد الترقيات والرواتب إلى أن يتم تشخيص الواقع بأكمله واتخاذ الإجراءات المناسبة التي يمكن أن تسهم في مواجهة الأزمة المالية العالمية دون أن نحدث أزمات داخلية في مجتمعنا.
إذا كان الأفراد في الوقت الحالي قد اتجهوا للتقليل في مصروفاتهم وحجم استهلاكهم في ظل غلاء الأسعار الذي لم يتأثر بالأزمة، وفي ظل تراجع حجم القروض البنكية وارتفاع نسب فوائدها، فما الذي سيحدث عندما تنخفض رواتب العديد منهم؟
مناسبة حديثنا هذا ما بدأت في تطبيقه بعض كبرى الشركات في الإمارات التي أبلغت موظفيها بقرار خفض رواتبهم بنسبة 20% لتتمكن من مواصلة عملها، ومن لا يروق له تطبيق هذا القرار فله أن يقدم استقالته. قد يكون تخفيض الراتب من الوسائل المجدية التي لجأت إليها بعض دول العالم مبكرا لتواجه أزمتها المالية، خاصة وقد تأكد لديها عدم قدرتها على الاستغناء عن موظفيها خوفا من أن يؤثر نقص العمالة على كمية وجودة الإنتاج.
ولأننا لا نملك رد تلك الشركات الوطنية عن قرار خفض الرواتب الذي قد تقتضيه المصلحة العامة إلا أننا نأمل عليها هذه المرة أن تتعامل مع القرار بحرفية وموضوعية اكبر حتى لا يصبح صغار الموظفين ورواتبهم المتواضعة ضحية خطوتها هذه المرة بعد أن كانوا ضحية قرار التسريح. بل والأكثر اننا نأمل عليها وهي تطبق قرارا كهذا أن تبدأ بتخفيض رواتب ومخصصات «الهوامير» في الشركات الذين قد يغطي راتب الواحد منهم رواتب خمسة موظفين وأكثر.
لا نبالغ في حديثنا عن رواتب «الهوامير»، ففي الفترة التي سبقت ظهور الأزمة المالية العالمية بالغت بعض الشركات في الدولة في الرواتب التي تدفعها لموظفيها لاسيما الأجانب الذين غالبا ما تكون خبرتهم هي المسوغ للحصول على تلك الرواتب التي لا يحلم كبير خبرائهم بالحصول على نصفها في البلد الذي جاء منه.
والأكثر أن هؤلاء الخبراء وكبار الاستراتيجيين هم الذين وضعوا سياسات تلك الشركات وهم من كانوا بتلك الاستراتيجيات حسب ما رأيناه في الواقع سببا في سقوطها.
لا نقول ذلك بدافع «الحسد»، ولا رغبة في تعليقهم وسلخ جلودهم بسبب استراتيجياتهم التي كانت وراء وقوع أخطاء تحتاج إلى سنوات لتصحيحها، بل نقول ذلك لأننا ندرك تداعيات خفض رواتب صغار الموظفين الذين يعتبرون الأغلبية في المجتمع على نمو الاقتصاد في الدولة، والذي نتوقع تأثره بشكل طبيعي بمجرد انخفاض مصدر دخل الأفراد.
إذا كان «هوامير» الشركات قد استفادوا من الطفرة الاقتصادية التي حدثت في الدولة منذ سنوات، فما المانع أن يتحملوا اليوم ظرف الأزمة فيضحوا بتلك النسبة قبل غيرهم؟ ألا يعتبرون أنفسهم شركاء في النمو الاقتصادي وداعما حقيقا للشركات التي يعملون فيها ويدّعون إخلاصهم وولاءهم لها؟ إن كان الأمر كذلك فليحتملوا إذن تخفيض رواتبهم دون أن يكتفوا بإصدار قرارات خفض رواتب صغار الموظفين الذين كانوا يعملون وأصبحوا اليوم كبش فداء في الأزمة





رد مع اقتباس