![]()
عندما تطالب دولة الإمارات من خلال مختلف المؤسسات والشركات فيها بتأدية حقوق العمالة لاسيما الرواتب فذلك لا يأتي فقط من منطلق اعتبارات تضعها الدولة لمنظمات حقوقية وإنسانية فحسب أو لمنع ردود أفعال عنيفة قد تصدر ممن لم يتقاضوا رواتبهم وحقوقهم في بيئات عملهم، بل تقوم بذلك كله وتطالب به لاعتبارات إنسانية واجتماعية ومرتكزات قام عليها مجتمع الإمارات كالدين والعادات والتقاليد التي تربى عليها أبناء الدولة ومن أقام فيها وان اختلفت دياناتهم أو ثقافات مجتمعاتهم التي يأتون منها، فالوفاء بالالتزامات وما تنص عليه العقود مسألة لا خلاف عليها، وان وقع الخلاف كان شاذاً.
قضية عدم التزام بعض أرباب العمل في شركات المقاولات وعدم دفعهم رواتب العمال مسألة لها قوانينها التي تحسم القول فيها، خاصة وان الإساءة فيها تكون لأرباب العمل أنفسهم قبل الدولة، لكن ما يهمنا بصورة أكبر ممارسات أخرى تسيء للدولة بصورة أكبر من إساءتها للأفراد، وهو ما يتضح جلياً في ممارسات بعض المؤسسات والشركات الكبرى التي تم تأسيسها برؤوس أموال ضخمة، وأخذت حقها من الدعاية والإعلان فجذبت العناصر المتميزة من المواطنين وغير المواطنين للعمل فيها.
وبعد ان اجتهدوا وتركوا بصماتهم في سجل انجازاتها اضطرت بعضهم الظروف لترك العمل فيها، وظنوا ان ما قدموه من إخلاص محسوب في ملفاتهم الوظيفية التي تحتسب كل ساعة عمل وجهد قضوها فتكافئهم عليها بأضعاف ما قدموه، لكن الواقع صدمهم واثبت لهم حقيقة مؤسفة، وهي ان بعض تلك المؤسسات والشركات فقيرة وغير قادرة على الوفاء بالتزاماتها نحو موظفيها عندما يقرر ترك العمل فيها حتى بعد ان يوفي بالتزاماته جميعها.
والأكثر ان بعض تلك المؤسسات والشركات تتعمد عدم الوفاء بالتزاماتها يوم تجد نفسها في وضع مالي حرج تتخذه حجة لعدم تسليم موظفيها حقوقهم المالية حتى وان كانت تدرك ان كثيراً ممن يتطلعون لقبض تلك الحقوق أصبحت لديهم ارتباطات والتزامات أخرى لا يمكنهم التراجع فيها، وهنا تكمن المشكلة، فهذه المؤسسات والشركات بما تنقضه من التزامات لا تسيء لصناع القرار فيها كحال شركات المقاولات بل تسيء إلى سمعة دولة، وتنسف جهود جهات قدمت مساندتها لتوجد نماذج أعمال قادرة على الوفاء بالتزاماتها نحو موظفيها ومجتمعها المحلي والدولي، لكنها بسطحية من يدير شؤونها أصبحت تمس تلك النماذج التي يعني سقوطها انهياراً لنماذج أخرى صغيرة.
فإذا كانت دولة الإمارات لا تقبل بهضم حقوق عمالة ولا بتأخير رواتبهم، وتشدد العقوبات والغرامات على المتقاعسين من أرباب العمل، فكيف ستقبل بتأخير رواتب وصرف نهايات خدمة وتوزيع أرباح في مجتمعات أعمال يفترض ان تكون قدوة لغيرها؟ وكيف ستتعامل مع هذه المجتمعات وهي لم تقدر ثقة المجتمع ولا أفراده الذين لا ينبغي الاستهتار بجهودهم وحقوقهم مهما كانت الظروف التي لم تكن لترحم بسببها أياً من الموظفين فيما لو قصر في عمله؟
النمط الإداري الذي يتساهل في مسألة الوفاء بالالتزامات، وبدء ظهوره في كبرى المؤسسات والشركات في الدولة قضية مهمة لابد من تسليط الضوء عليها، ودراسة أسبابها وسبل علاجها قبل ان تتفاقم، فإن تفاقمت واتسعت دائرتها فلا وزارة عمل ستضع حداً لها ولا شركات صغيرة تؤدي التزاماتها، وعندها فلنقل على الالتزام السلام!!





رد مع اقتباس

