شهد العالم منذ سنوات تكتلات اقتصادية بين الدول المتقدمة التي اعتبرت التكتلات من وسائل تعديل مسارات التنمية فيها. وقد ساعد على نجاح تكتلاتها الإرادات والرغبات السياسية التي امنت بالتكتل لمواجهة مخاطر متعددة لا يمكن لأي دولة التصدي لها وحدها.
وهذه التكتلات مازالت مستمرة لأنها لم تفرض على أي دولة التنازل عن ثوابتها بل تركت لها اختيار ما يناسب مجتمعها وثقافة شعوبها، ولأنها حققت مكاسب كبيرة، فإذا كانت هذه المكاسب محل تقدير دول تنضم في كيان واحد، فكيف ستكون هذه المكاسب في مؤسسات دولة واحدة؟
دولة الإمارات باعتبارها نموذجا اتحاديا لديها وزارات ومؤسسات وهيئات اتحادية في مختلف المجالات. وباعتبار دستور الدولة وما منحه للإمارات السبع المحلية من سلطات، تكونت إدارات مستقلة محليا في المجالات نفسها التي تعمل فيها المؤسسات الاتحادية لكن العلاقة بين الأجهزة المحلية والاتحادية باتت ضعيفة بدرجة كبيرة.
بل وتطور الأمر لدرجة أصبحت فيها المؤسسات الاتحادية غير قادرة على فرض صلاحياتها وسلطتها على الأجهزة المحلية حتى في مسألة التعاون والتكامل، لأن التساهل عندما مس الأساس أصبح التنازل طبيعيا فيما تلا ذلك. فعلى الرغم من عمل المؤسسات الاتحادية والمحلية في المجال نفسه إلا أن غالبية المؤسسات المحلية استقلت عن الاتحادية، ووضع بعضها قوانين وأنظمة قد تتعارض مع قوانين وأنظمة اتحادية يفترض أن تكون هي المرجع الملزم بإطار عام لا ينبغي الخروج عنه.
يحدث ذلك كله بحجة الرغبة في التعدد والتنوع سواء كان في قطاع التعليم أو الصحة والاقتصاد والعقار والإعلام والبيئة والبلديات وفي غيرها من المجالات الأخرى الكثيرة التي لا تخدم فيها تلك الاستقلالية المطلقة المصلحة العامة للدولة ولا لمواطنيها. والنتيجة في تأثير ذلك كله سلبا على أداء المؤسسات الاتحادية ما أفقد عددا منها سلطتها وحرم أفرادا من حق تكافؤ الفرص.
لا نبالغ فيما نقول فبسبب الانقسام عن الوزارات والمؤسسات الاتحادية «الأم» وجدت الفوارق في البنى التحتية بين إمارة وأخرى، وفي بنى مستوى التعليم المادية والبشرية، بل وأصبحت الفوارق واضحة حتى في مستوى الخدمات الصحية والبلدية والبيئية وخدمات النقل، وفي غير ذلك من الأمور التي لم تسلم منها حتى رواتب الموظفين الذين يحملون الشهادات نفسها ويعملون في دولة واحدة لكنهم ضحايا التفاوت بين إمارة وأخرى. وهو ما انعكس سلبا على المؤسسات الاتحادية ومصالح الأفراد المستفيدة منها.
قد يرجع بعضهم أسباب الانقسام محليا عن الوزارات الاتحادية إلى طبيعة الدولة الفيدرالية لكن النظام الفيدرالي الأميركي على سبيل المثال لم يحدث الفوارق بين 50 ولاية. فنظامها الفيدرالي يفرض بموجب الدستور أمورا عامة لا يحق لأي ولاية تجاوزها في أي مجال، في حين يتيح للولايات حرية إدارة شؤونها دون أن تعارض النظام الفيدرالي الذي يتولى الإنفاق الأكبر على القطاعات فيها.
وهو الأمر الذي لا نجده متمثلا في كثير من مؤسساتنا الاتحادية التي لم تستطع فرض سلطاتها على الجهات المحلية حتى في مسألة التكامل والتعاون والتنسيق، وفي تكافؤ الفرص بين أبناء الإمارات في الخدمات التي تباينت نتيجة الاستقلال المحلي الذي لابد من إعادة النظر فيه، لا لمحاربة التنوع والتعدد محليا، بل لمنع أية وسائل تضعف الأجهزة الاتحادية التي بقوتها نضمن قوة واستقرار دولتنا.





رد مع اقتباس
