من الأمور الهامة التي لفتت الأزمة الاقتصادية الانتباه إليها سياسة الاعتماد على الفرد الواحد التي مازالت تسيطر على كثير من الأقسام في المؤسسات والهيئات والدوائر في الإمارات، اتحادية كانت أو محلية. وهذه السيطرة للأسف لا تبدر في الغالب من كوادر إماراتية نضمن بقاءها أو الاستفادة من خبراتها، بل من وافدين وأجانب، سيطروا على إدارات بعينها واحتكروها على أنفسهم وكأنها ملك لهم لا يحق لأحد غيرهم العمل فيها أو حتى تولي شيء من أمورها.

وهذه السيطرة لا تأتي من فراغ بل من إدارات أعلى تركت لهم الحبل على الغارب فاستمدوا سلطتهم من تلك الغفلة، وهم يعملون في تخصصات تتطلب مهنية عالية وخبرات طويلة، وأصبحوا بموجب احتكارهم لها أداة ضغط على كثير من الإدارات التي ارتأت تجديد الدماء فيها، وتدريب كوادرها الإماراتية على أيديهم، والاستفادة من خبراتهم تمهيدا لأن يكون الموظفون الجدد بدلاء يعتمد عليهم فيما لو غاب العنصر الأساسي عن الإدارة، أو دفعته الظروف للتوقف عن العمل فجأة دون سابق إنذار.

فالضغط الذي يمارسونه يتخذ صورا عديدة أهمها قائمة طلبات يشترطونها للبقاء في وظائفهم. وصورة أخرى تكمن في رفض هؤلاء المحتكرين تدريب أي من الكوادر الإماراتية وغير الإماراتية أو تسليمها أسرار المهنة ليضمنوا السيطرة والبقاء لزمن أطول في وظائفهم دون أن يستطيع أي فرد اقتلاعهم من تلك المؤسسات، لأن اقتلاعهم يعني اقتلاع أو سقوط إدارات برمتها دون سابق إنذار، ودون بديل ينقذ تلك الإدارة من السقوط.

كنا نعتقد ان هذه الظاهرة قد تلاشت من سنوات لاسيما بعد أن أصدرت القيادات العليا في الدولة توجيهاتها لتأهيل القيادات في الصفوف الثانية والثالثة، بعيدا عن المركزية، واتجاها نحو توزيع الاختصاصات، واستقطاب الكفاءات المواطنة وتأهيلها وإعداد القيادات وفق أفضل برامج التدريب العالمية لتحل وتكون بديلة متى ما كان الوقت والظروف مناسبين.

وليس كما نرى الآن من عجز اعترى بعض الإدارات التي لم تتخلص من تلك الدماء وسيطرتها أو وضع حد لها لأنها تمسك بها من اليد التي تؤلمها، أو متخذة سياسة ليّ الذراع التي لا يمكن أن تقبل بها إدارة تبنت حزمة من السياسات والاستراتيجيات لمواجهة هذا الاحتكار الوظيفي، في حين أنها تصبح ممكنة وبدرجة كبيرة في إدارات ومسؤولين غفلوا عن هذا الاحتكار عندما أوكلوا إليهم الأمور كلها ولم يقوموا بتأهيل قيادات الصف الثاني والثالث.

فكانت النتيجة في وجود من يلوي أذرعهم، ويزيد خسائرهم المادية والبشرية التي هي خسارة لوطن يحرم بعض أبنائه من فرصهم في التطوير والتدريب، ومن الترقيات والمناصب القيادية بسبب محتكرين لا يفترض أن يكون لهم مكان في دولة اختارت لإداراتها كل النظم الجديدة عدا المركزية، واحترمت الكفاءات فوجهت للاستفادة من وجودها.

لذا فإن ما نرجوه هو أن توقظ الأزمة الاقتصادية التي كشفت عن سياسات خاطئة في التوظيف والإدارة من غفل عن سياسة المحتكرين، وان تدفعهم لأن ينقذوا أنفسهم قبل أن تلوى أذرعهم ممن لا يخدمون إلا نفسهم ومصالحهم وهم من لا تحتاج الإمارات إليهم!!