ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها على مختلف المجالات في الحياة العامة بما فيها مجال التعليم، كون تطوير التعليم والاهتمام به يتطلب إنفاقاً وميزانيات تنهض بمخرجاته.

وإذا كانت الدول قد أنفقت خلال السنوات الماضية على التعليم أموالا ضخمة، ومع ذلك تجد أنها لم تحقق كل ما تتطلع إليه من آمال وطموحات فلنا ان نتخيل مستقبل التعليم الذي ستتأثر ميزانياته بالأزمة المالية التي قد تقلص من الأموال المخصصة له رغم أن المشوار في مسيرة التعليم طويل ولا نهاية له.

والطموحات فيه مهما تحقق منها تبقى لديها قابلية للتمدد، ذلك انه الأساس في أي نهضة وتطوير، الأمر الذي يتطلب من الجميع التركيز خلال المرحلة الحالية والمقبلة على الاستفادة القصوى من الميزانيات المتاحة لضمان حق الأجيال من التعليم دون فارق بين ما يحظون به وما حظي به من سبقهم.

معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قال في المؤتمر الطلابي الخامس للتعليم بلا حدود: «إن المؤتمر يناقش موضوع التعليم في زمن التدهور الاقتصادي، خاصة في ظل ما نتج عن هذا التدهور من تخفيض ميزانيات المكتبات، وإلغاء برامج التطوير المهني، وتأجيل عمليات تحديث وتطوير أجهزة تكنولوجيا المعلومات وشراء المعدات التعليمية وتخفيض عدد المدرسين».

وأضاف: «هذا التدهور الاقتصادي يؤثر على التعليم والأبحاث التي نحتاجها للاستمرار في تحقيق التنمية والازدهار لدولنا المختلفة، خاصةً وأن التقديرات تشير إلى أنه سيكون طويل الأمد».

فتصريحات سموه جاءت في وقتها، ولامست مخاوف الكثيرين من تأثير الأزمة المالية على التعليم وخطط النهوض به لاسيما وقد اهتم الجميع بخفض الإنفاقات في جميع المجالات، إلا أن تصريح معالي الشيخ نهيان بن مبارك الذي اعتبر فيه الأزمة المالية فرصة سانحة لإعادة النظر في الخطط والافتراضات القديمة التي بنيت عليها خطط التعليم هو الأمر الأهم الذي لابد من الاهتمام به أكثر من أي وقت مضى، ليس من أجل النهوض بالتعليم فحسب.

بل من اجل الاستفادة الحقيقية من مخرجات التعليم التي تتمثل في الخريجين والخريجات الذين أثبتت الأزمة المالية العالمية والتي لم تنج منها دولة الإمارات، إن الإمارات لم تكتف حتى اليوم بأعداد الخريجين القادرين على سد مواقع العمل في جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات.

وكشفت الأزمة عن وجود أزمة في التخصصات العلمية التي مازال الإماراتيون غير مقبلين على دراستها بالدرجة التي تكفي للاعتماد عليهم بدل الاعتماد على استقطاب الوافدين، وأثبتت الأزمة تكدس بعض الخريجين في بعض التخصصات وهو ما فرض بطالة إجبارية على بعضهم، هذا بالإضافة إلى كثير من الحقائق التي تكشفت والتي تدعو إلى إعادة النظر في احتياجات دولة الإمارات من التعليم وكيفية الاستفادة من مخرجاته ليتمكن المجتمع من الاعتماد ذاتيا على كوادره الوطنية التي لابد من استثمار ميزانيات التعليم فيها بأقصى درجة ممكنة.

فإذا كانت الأزمة المالية اليوم قد أتاحت للدولة الاحتفاظ ببعض الخبرات الوافدة والأجنبية والتي قد يتم الاستفادة منها لحين تأهيل بعض الكوادر الوطنية التي لا تسد بعددها وتخصصها احتياج مؤسسات الإمارات، فإن هذا ما يجعلنا نأمل على المسؤولين عن التعليم أن يضعوا في اعتبارهم تداعيات الأزمة التي قد لا تسمح مستقبلا ببقاء خبرات غير إماراتية قد ترحل لوطنها في أي وقت مخلفة فراغا يخلق أزمات أخرى فيما لو لم يتم الاستعداد لها، وهو مالا نأمله وما لا نريده