في جميع الأديان والأعراف والتقاليد المجتمعية تبقى للطفل حقوق لا تمس لأي سبب من الأسباب التي يلجأ بعضهم إليها ليبرروا انتهاكاتهم للطفولة التي تبقى بحاجة لرعايتهم واهتمامهم حتى لا تنحرف عن مسارها فتسلب حقوقها الأخرى عند الكبر رغما عنها، وعندها تكون غير قادرة على استردادها لأنها عجزت عن ذلك في طفولتها عندما سلبها الغير حقوقها ولم تسترد حقوقها لعجزها وضعفها ما لم ينبري لها من ينتزع الحقوق من مغتصبها.

مناسبة حديثنا هذا الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات أبوظبي أمس الأول بالسجن عشر سنوات لكل من والد الطفلة المواطنة «نوف» 9 سنوات وزوجة الأب، وألزمتهما بدفع 160 ألف درهم قيمة الدية الشرعية للمجني عليها، نظير ما قاما به من اعتداءات بالضرب المبرح بالعصا ورطم رأسها بالحائط وإحراق الوجه والجلد، الأمر الذي تسبب في عاهتين مستديمتين للطفلة نوف التي نسأل الله لها الشفاء وتجاوز هذه المرحلة بنسيانها عندما تكبر وتبلغ أشدها، فتصبح قادرة على طي صفحة من ذاكرتها نثق بأنها سببت لها الكثير من الآلام التي ربما لا يحتملها إنسان اكتمل نموه الجسدي والعقلي.

الحكم الذي أصدرته محكمة جنايات أبوظبي نقل رسالة لكل الآباء والأمهات، ولمن تسول له نفسه إيذاء الطفل أو المساس بحقوقه عليه حتى من نفسه التي قد تؤذيه. وبعث الحكم رسالة أخرى أكدت على ان السلطات في الإمارات لا تكتفي بالاستنكار أمام ممارسات عدائية تمارس ضد الأطفال، بل تصدر أحكاماً تأديبية تصل إلى حد السجن والجزاءات المالية، معلنة رفضها لممارسات لم يتربّ عليها أبناء الإمارات.

ولم تكن يوما مقبولة لاعتبارات دينية وإنسانية واجتماعية لا تبرر السلوكيات العدائية الصادرة حتى من الآباء ضد أبنائهم. فمجتمع الإمارات الذي عرف بتقديره للإنسان وحرصه على أمنه واستقراره يسعى لان يقوم كل من الأم والأب بواجباته في تربية أبنائه، ويعاتب ان قصرا في ذلك فكيف يسمح لهما بتعذيب أبنائهم أو إيذائهم وهو يدرك ان إيذاء من هذا النوع لا يمكن ان ينشئ أفراداً أسوياء نفسيا وعقليا وجسديا، ولا يمكن ان يوجد جيلا قادرا على بناء مستقبل وطنه.

الحكم الذي صدر في والد نوف وزوجته من المفترض ان يضع حدا لأية انتهاكات تمس الطفولة لاسيما وقد حظيت قضية نوف بمتابعة صناع القرار في الدولة الذين رفضوا ما تعرضت له واتخذوا خطوات إجرائية دون تباطؤ ردا لحقوق نوف وانتصارا لغيرها من الأطفال. هذه العدالة التي أكدت رحمة المجتمع الإماراتي وإنسانيته تقودنا للتذكير بأهمية متابعة اخوي نوف غير الأشقاء اللذين أثبتت التحقيقات رحمتهما بأختهما وقت كانت تتعرض للأذى من قبل والدهما وزوجته، فهما طفلان يعيشان اليوم محنة أخرى يتسبب فيها المتهمان أنفسهما.

وهما بحاجة لرعاية ومتابعة لكي لا تنعكس عليهما آثار هذه الحادثة سلبا فيعيشان حالة نفسية تفوق قدرتهما على الاستيعاب وتحيلهم إلى نتيجة لا نقبلها لأي من أطفال الإمارات. فالأيادي التي تعهدت نوف برعايتها، والعقول التي استنكرت الحال التي باتت عليها تجعلنا نأمل منهما الالتفات إلى من مدا يد العطف لنوف وحاولا نصرتها في حدود إمكانياتهما. هذا ما نأمله وما نتمناه وما نثق بأنه سيكون محل اهتمامهم