لم يكن إعلان انسحاب الإمارات من اتفاقية الاتحاد النقدي الخليجي مفاجئاً للأوساط الإماراتية التي أدهشها إعلان القمة التشاورية لدول مجلس التعاون الخليجية الأخيرة عن اختيار الرياض مقراً للمصرف الخليجي المركزي، وهو القرار الذي لم يأخذ في الاعتبار مطالب الإمارات الرسمية التي بدأت في عام 2004 بأن تكون مقراً للمصرف، متقدمة على جميع دول المجلس، أي قبل مملكة البحرين التي تقدمت بطلبها في عام 2006، وقبل قطر التي تقدمت بطلبها في عام 2007، وقبل السعودية التي تقدمت بالطلب في مرحلة متأخرة عام 2008 ومع ذلك فازت عاصمتها باستضافة المصرف.

مطالب الإمارات بنيت على أسس اقتصادية قوية: أولها أن اقتصادها يعتبر الثاني في حجمه وقوته بين دول الخليج، واستثماراتها الخارجية في الصناديق السيادية تعد الأقوى، والأهم من ذلك أن الإمارات لا تضم أياً من المؤسسات والهيئات التابعة لمجلس التعاون البالغ عددها 20 والتي تتوزع بين دول الخليج الأخرى.

هذا بالإضافة إلى أمور أخرى لا تملكها دول الخليج بالقدر الذي تملكه الإمارات وهو ما يدعم أحقية الإمارات في هذا المقر، نعني بذلك ثقافة إدارة البنوك فيها، وامتلاكها خبرات مصرفية عالية نتيجة تنوع وتعدد المراكز المالية فيها والمنفتحة على الأسواق المالية العالمية.

انسحاب الإمارات من الوحدة النقدية يبعث رسالة قوية للأوساط السياسية والاقتصادية في المنطقة، هذه الرسالة تؤكد أهمية وضرورة التعاون بين دول الخليج وإتاحة الفرص واحترام اعتراض أي دولة على قرار مصيري للمنطقة، وعدم استئثار بعض الدول باتخاذ القرارات على حساب مصالح دول أخرى. هذا الانسحاب سوف يوضح أسباب تحفظ الإمارات لوزير خارجية السعودية الذي تمنى في حوار صحافي الأسبوع الماضي معرفة أسباب تحفظ الإمارات لإزالتها.

كان الأجدر بدول الخليج أن تأخذ بعين الاعتبار كل المقومات التي ترجح كفة الإمارات كدولة في استضافة مقر الاتحاد النقدي الذي يعد أعلى مراحل التكامل الاقتصادي بين دول الخليج، وسيمهد ـ فيما لو تم ـ للتكامل الاقتصادي بينها بعد مرحلتين هما تكوين الاتحاد الجمركي الذي تم الانتهاء منه، والسوق الخليجية المشتركة المتوقع الانتهاء منها في نهاية 2009.

إذا كان قرار اختيار مقر المصرف الخليجي المركزي بعيداً عن الموضوعية فالثقة في موضوعية أي قرارات تليه باتت ضعيفة، وقد تضعف مشاريع أخرى لم تعتد الإمارات عليها اقتصاديا بعد كل ما حققته من إنجازات.

الإمارات لم ولن تكون يوماً طرفاً في خلاف بين دول المنطقة، فكل مواقفها في الخليج كانت داعمة لمسيرة هذا المجلس، وانسحابها من العملة الموحدة ليس بالقرار السهل، لاسيما وهو يرتبط بأحلام أبناء دول الخليج، لكن تحقيق تلك الأحلام بحاجة لمواقف اقتصادية موضوعية تؤكد الحرص على مصالح مواطني دول المجلس عملياً وليس نظرياً، وهو ما قد يدفع نحو إعادة النظر في قرارات اتخذتها دول الخليج مؤخراً في حال رغبت في التكامل الاقتصادي الذي لابد وان يتحقق بمعايير عالمية تبرر تحفظ الإمارات وانسحابها من العملة وتمنياتها للدول الأخرى بالتوفيق في خططها التي يجب أن تقوم على النوايا الحسنة بالقدر نفسه الذي يجب أن تراعي فيه رغبات الجميع